الأيام

علماء الشيعة يردّ­ُون فتوى خطيب الدراز لمخالفة «السّحق» الاشتراطات الفقهية للصائل!!

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 8327 الجمعة 27 يناير 2012 الموافق 4 ربيع الأول 1432

حكايتنا في هذا التقرير عن مسألة الدفاع عن النفس أو ما يسمى في الفقه بـ «دفع الصائل»، وضابطه دفع المعتدي بما يرد اعتداءه فقط، بلا عنف زائد يحول المعتدى عليه لمعتدي. ولنبدأ الحكاية من البداية.. وبداية حكايتنا فتوى أطلقها خطيب جامع الدراز الشيخ عيسى قاسم في خطبة الجمعة الماضية وهي: «من وجدتموه يعتدي على عرض الفتاة المؤمنة (فاسحقوه)».. هذه الفتوى تبعتها «استراتيجية» واضحة رسمها المجلس العلمائي ليؤصل لمفهوم «السحق»، حيث نشر في موقع العلمائي مقالاً لأحد أعضاء المجلس يقول فيه: «.. وإن المرحلة الجديدة التي أعلنها سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم (دام ظله) والمتمثلة في استراتيجية (السّحق) لكل من يتطاول على أعراضنا من أولئك الغرباء عن ثقافة هذا الشعب، هذه الاستراتيجية –حتماً- لن تكون الأخيرة، إذا لم تتوقّف الأيدي العابثة بالعرض والشرف، فالدفاع عن الأعراض ليس يقف عند حسابات سياسية ولا يقف لأجل ضخامة الخسائر بل لا يقف حتى لو سالت الدماء أنهاراً. هكذا يفهم فقهاؤنا من دين الله تعالى وشريعة رسول الله صلى الله عليه وآله». في اليوم التالي من الفتوى، نُظمت فعاليات متعددة في مختلف قرى البحرين، مع خروج أعداد كبيرة من النساء في مسيرات، ثم توالت مواجهات عنيفه بين مجموعات من الشباب والمراهقين وبين رجال الأمن، حيث قامت المجموعات بأعمال عنف وشغب وتعدٍ على رجال الأمن وملاحقتهم باستخدام «المولوتوف» والأسياخ الحديدية والهراوات وغيرها، وبلغ الاعتداء أشدّه مساء الثلاثاء الماضي حيث سقط العشرات من رجال الأمن. إن فتوى «سحق المعتدي على العرض» ابتداءاً ، والتي أصدرها الشيخ عيسى قاسم وما تتضمنها من معاني التنكيل والتشفي، هي أبعد ما تكون عن منهج أهل البيت عليهم السلام، وتخالف صراحة حكم علماء الإسلام. وبودنا أن نتساءل: هل تدركون المعنى الدقيق للاعتداء على العرض؟!، هل يُدفع الاعتداء على العرض – إن وقع – بسحق المعتدي مباشرة ؟!، هل استراتيجية السحق دبرت بليل لمرحلة جديدة لن تقف حتى لو سالت الدماء أنهاراً كما صرّح أحد أعضاء المجلس العلمائي؟! هذه التساؤلات وغيرها تلزمنا ببيان موقف المذاهب الإسلامية في مسألة فقهية دقيقة تتناول الكيفية المشروعة وغير المشروعة لدفع الاعتداء على النفس والنساء والمال، وما يترتب على ذلك من أحكام، وسيتبين للقراء من خلال عرض النصوص الفقهية بأن فتوى (السّحق) عاطفية لا مستند لها من الناحية الشرعية، ولا تربطها أية علاقة بالمذاهب الإسلامية . لقد اتّفق فقهاء أهل السنّة وفقهاء الإماميّة على أنه يجب دفع الاعتداء بأخف الوسائل وأقلها ضرراً، ونصّوا على حرمة اللجوء إلى الأشد مع إمكان الدفع بالأخف، ومن دفع الاعتداء بالأشد مع إمكانية دفعه بالأخف ضمن ما أتلف من نفس وما دونها بقصاص أو دية، لأنه دفع غير مشروع، فيكون مضموناً، وهذه نصوصهم : ] قال المحقق الحلي في شرائع الإسلام (4/967-969) : (للإنسان أن يدفع عن نفسه وحريمه وماله ما استطاع، ويجب اعتماد الأسهل، فلو اندفع الخصم بالصياح، اقتصر عليه، إن كان في موضع يلحقه المنجد، وإن لم يندفع عول على اليد، فإن لم تغن فبالعصا، فإن لم يكلف فبالسلاح، ويذهب دم المدفوع هدراً، جرحاً كان أو قتلاً ... ولا يبدأه ما لم يتحقق قصده إليه، وله دفعه ما دام مقبلاً، ويتعين الكف مع إدباره ... ولو ضربه فعطله لم يذفف عليه – أي : لم يجهز عليه - ، لاندفاع ضرره ... ومتى قدر على التخلص بالأسهل، فتخطى إلى الأشق ، ضمن) . ] وقال تلميذه العلامة الحلي في إرشاد الأذهان (2/187-188) : (للإنسان أن يدفع عن نفسه وماله وحريمه بقدر المكنة، ولا يجوز التخطي إلى الأشق مع إفادة الأسهل، فيقتصر على الصياح إن أفاد، وإلا فالضرب باليد أو العصا أو السلاح مع الحاجة، والمدفوع هدر، والدافع شهيد مضمون، ولا يبدأ الدافع إلا مع القصد، فإن أدبر كف عنه، فإن عطله قاصداً لم يذفف ... ويعتمد الأسهل وجوباً مع الامتناع به، فيضمن لو تخطاه) . ] وقال أيضاً في تحرير الأحكام (5/384-388) : (للإنسان أن يدفع عن نفسه وحريمه وماله وإن قل ، ولو قدر على الدفع عن غيره ، فالأقوى الوجوب مع أمن الضرر ، ويجب اعتماد الأسهل ، فإن اندفع الخصم بالكلام اقتصر عليه ، ولو لم يندفع فله ضربه بأسهل ما يعلم أنه يندفع به ، ويحرم عليه حينئذ التخطي إلى الأصعب ، فإذا ذهب مولياً لم يكن له قتله ولا ضربه ولا اتباعه ، ولو افتقر في الضرب إلى العصا ساغ له ، فإن لم يكف جاز بالسلاح ، ويذهب دمه هدراً ، سواء كان جرحاً أو قتلاً ... ولو قتل الدافع كان شهيداً وضمنه المدفوع ، ولو ضربه الدافع فعطله لم يكن له أن يثني عليه ، ولا يبدأ الدافع ما لم يتحقق قصده إليه ، وله دفعه ما دام مقبلا ، فإذا أدبر كف عنه ... فإن انتقل إلى الأشق مع التخليص بالأسهل ، كان ضامناً) . ] وقال الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في «أصل الشيعة وأصولها» (ص 307) : (وللإنسان أن يدفع عن نفسه وحريمه وماله ما استطاع بالأسهل ، فإن لم يندفع فبالأصعب متدرجاً) . ] وقال الشيخ محمد جواد مغنية في «الشيعة في الميزان» (ص 363) : (يجب على الإنسان أن يدافع عن نفسه وحريمه بكل وسيلة، ولو بقتل المعتدي، على شريطة أن يعتمد في الدفاع على الأسهل فالأسهل، كالصياح أولاً، ثم الضرب ثم الجرح، وأخيراً القتل) . ] وقال مرشد الثورة الإمام الخميني في «تحرير الوسيلة» (1/488-490) : (يجب على الأحوط في جميع ما ذكر – أي: الاعتداء على النفس والحريم والمال- أن يتصدى للدفاع من الأسهل فالأسهل ، فلو اندفع بالتنبيه والاخطار بوجه كالتنحنح مثلاً فعل ، فلو لم يندفع إلا بالصياح والتهديد المدهش فعل واقتصر عليه ، وإن لم يندفع إلا باليد اقتصر عليها ، أو بالعصا اقتصر عليها ، أو بالسيف اقتصر عليه جرحاً إن أمكن به الدفع ، وإن لم يمكن إلا بالقتل جاز بكل آلة قتالة ، وإنما يجب مراعاة الترتيب مع الامكان والفرصة وعدم الخوف من غلبته ، بل لو خاف فوت الوقت وغلبة اللص مع مراعاة الترتيب لا يجب ، ويجوز التوسل بما يدفعه قطعاً ... لو تعدى عما هو الكافي في الدفع بنظره وواقعاً فهو ضامن على الأحوط ... فلو هجم على حريمه وأمكن التخلص بوجه غير القتال فالأحوط ذلك .. يجوز الدفاع لو كان المحارب ونحوه مقبلاً مع مراعاة الترتيب كما تقدم مع الامكان ، وأما لو كان مدبراً معرضاً فلا يجوز الإضرار به ، ويجب الكف عنه ، فلو أضر به ضمن ... لو أخذ اللص أو المحارب وربطه أو ضربه وعطله عما قصده لا يجوز الاضرار به ضرباً أو قتلاً أو جرحاً ، فلو فعل ضمن ... لو وجد مع زوجته أو أحد قرابته من ولده أو بنته أو غيرهما من أرحامه من ينال منه من الفاحشة ولو دون الجماع فله دفعه مراعياً للأيسر فالأيسر مع الامكان ولو أدى إلى القتل ، ويكون هدراً) . ] في الموسوعة الفقهية السنية (28/105-106) : (ويدفع الصائل بالأخف فالأخف إن أمكن، فإن أمكن دفعه بكلام أو استغاثة بالناس حرم الضرب، أو أمكن دفعه بضرب بيد حرم بسوط، أو بسوط حرم بعصا، أو أمكن دفعه بقطع عضو حرم دفعه بقتل، لأن ذلك جوز للضرورة، ولا ضرورة في الأثقل مع إمكان تحصيل المقصود بالأخف ... فإن خالف الترتيب المذكور، وعدل إلى رتبة مع إمكان دفعه بما دونها، ضمن) .

كلمات مفتاحية
Show more