اوضح الباحث العلمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة د. محمد دودح فيما يختص بموضوع "الأرضون السبع"، أنه لبيان ماهية السبع أراضين، إذا تَأَمَّلْت القرآن الكريم تجد أن وصف الكون الممكن الرصد بتعبير «السماء والأرض» أو «السماوات والأرض» قائم على النسبة إلى المخاطب فوق سطح كوكب الأرض، فما فوقه سماء، وما تحته أرض، ويؤيد ورود لفظ «الأرض» بالإفراد تلك النسبة للمُخاطب، وكذلك مضمون لفظ «السماء» إفرادا وجمعا لأنه يعني وجودا في العلاء، ويشمل الكون كله عند الإطلاق، ولكن لفظ «الأرض« يرد في مقامات متباينة في الكتاب الكريم، فيُحمل في كل موضع على مدلول يناسب المقام، ومثلا في التعبير: "بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ" ،لا يصلح حمل لفظ «الأرض« على الكوكب، وإنما يقتضي مقام الحديث عن بقرة حمل لفظ «الأرض« على تربة الحقل وفق المعهود من إثارة البقرة للغبار أثناء الحرث باستخدام الدواب، والقاعدة الدلالية في تناول النظم الفريد في الكتاب المجيد أن التقديم أو التأخير في لفظ لا يقع إلا بما يتفق مع الواقع بمدلول مناسب، فإذا جاء لفظ «السماء» إفرادا أو جمعا في مقام بيان مراحل التكوين قبل لفظ «الأرض» دلَّ على كيان يسبق تكوين الكوكب، فيستقيم حمله على الكون المرصود كله فوق الراصد الأرضي، وإذا جاء لفظ «السماء» إفرادا أو جمعا في مقام بيان مراحل التكوين بعد لفظ «الأرض» دل على كيان يتبعها في الخلق قد نشأ منها فيستقيم حمله على طبقات الجو، قال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في تفسيره: "والسماء إن أريد بها الجو المحيط بالكرة الأرضية فهو تابع لها متأخر عن خلقها، وإن أريد بها «آفاق الأجرام السماوية فهي».. أعظم من الأرض فتكون أسبق خلقا". وتجنب الخلط بين مدلول اشتقاق لفظ «السماء» في مقام بيان مراحل التكوين عندما يسبق لفظ «الأرض» في النظم، وبين مدلوله عندما يلحق لفظ «الأرض« يرفع الخلاف المُصطنع، ويدفع توهم التعارض، ويحل إشكال سبق الأرض للسماء أم العكس، والعجيب أنك إذا جمعت النصوص في مقام بيان تاريخ التكوين تجدها جميعا منظومة دلالية موحدة المضمون بلا تعارض، وما أجمله نص في موضع كشف تفاصيله نص في موضع آخر لتجد قصة الوجود منسجمة تماما مع مفاخر عصر الكشوف. ووفق ما توصلت إليه الكشوف العلمية أن الجو قد نشأ من دخان تصاعد من الأرض الملتهبة عند التكوين، وكان يتبدد حتى استقر أخيرا ولازمها في حركتها بمدارها مع تميزه إلى طبقات، وهو مضمون الملازمة بالتمثيل بعد بيان نشأة الأرض في قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ»، وورود لفظ «سماء» بالجمع يدل على طبقية التكوين، فيعني تميز الموصوف سواء الفضاء أو الجو إلى طبقات، فالدلالة إذن هي أن الآفاق الكونية التي تميزها أثبتت الكشوف العلمية أن الأرض عند تكونها كانت تسودها الحمم، وأن البراكين ظلت تقذف الدخان الملتهب الذي نشأ منه الغلاف الجوي للأرض وتميز إلى طبقات. بروج الأجرام السماوية قد نشأت قبل الأرض، ثم نشأت من الأرض آفاق مثلهن، وهو ما يستقيم مع مضمون قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» ، فالضمير المؤنث في «مثلهن« لا يستقيم عودته إلا إلى لفظ «سماوات» المؤنث المميز للعدد سبع، أي خلق سبع سماوات، وخلق من الأرض سبع سماوات «مثلهن»، قال ابن عاشور: وقوله وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ«عطف على "سَبْعَ سَمَاوَاتٍ»، وقال الألوسي : "وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ"، أي وخلق من الأرض مثلهن، وقال : و«الأرض» كونها سبع طبقات بين كل طبقة وطبقة كما بين كل سماء وسماء خمسمائة عام.. غير مُسَلَّم، «وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُن» لا يُثبتُه، وأضاف : «وكثيرا ما يُقصد من العدد التكثير لا الكم المُعَيَّن»، وقال حفيده محمود شكري في كتابه «ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة»: «وأما الأرضون السبع فقد حارت فيها عقول المفسرين، وذكروا فيها أقوالا كثيرة»، فليس النص الكريم إذن قطعي الدلالة على وجود سبع أراضين، وإنما هو احتمال ورد في التفسير. قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين في تفسيره: و«لكن» صَرَّحَت السُنَّة بذلك في قوله «عليه الصلاة والسلام»: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين»، ومن جملة الروايات أيضا ما ذكره فضيلته: قوله «عليه الصلاة والسلام»: «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الرياح وما ذرين..«الحديث، وأما الأرض فإنها جاءت بلفظ الإفراد في القرآن». وقد حُمل التعبير بالجمع في الحديث على أن بنية الأرض بالفعل طبقات مع إمكان تطابق العدد، وحُمل أيضا على تعدد الأقاليم، أو بالأحرى القارات، ويستقيم اعتبارها سبع كذلك بعد اكتشاف الأمريكتين، وقارة القطب الجنوبي، والله تعالى وحده أعلم بالمُراد.