الأيام

عارياً كما يشترط الحب.. وكذلك جميلاً كقصيدة

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 7691 | السبت 1 مايو 2010 الموافق 16 جمادى الأولى1431هـ

وها هو منذر المصري أخيراً.. حافياً مثل قلق.. يجوب غرفة اضطرارعيشه وإيانا على بلاط عار، ذهاباً وإياباً، ضائعاً مثل عقرب دقائق وحيد في ساعة. مرآته تنظر على الحائط أعمارنا، وأيامنا، تفاصيل صغيرة هي لنا، صمتنا وشاينا الذي ليس بطيئا تماماً. لبس قبعة الإخفاء، وعبر سماء موحلة، وصور تذكارية لبنادق وأحذية جند ثقيلة أحاطت سرير تناومه الماكر، لطالما خاض تجنب حروب ليست له عبر فرار بطولي، وارتكاب حماقات متكررة كقصائد تلمع ندف ثلج تذوب في كف طفل يهرع بها الى أمه.. لتتلاشى قبل ثانية واحدة من وصول متعثر. مرتبك يقف على بابنا في ربيعه الستيني، وبدل أن يقرع الجرس يطفئ الضوء.. اقتاده أب قاس إلى تلة جرداء كي ينحر قلبه هبة لآلهة الخوف والذنوب.. ولكن الشعر انتخبه أخيراً وربما أنقذه كي يرفعه على منصة الكلام.. ليشهر كما هو متوقع بطرافة عالية البراءة بقصيدة نثر لامعة وبيضاء، قادرة أن تطير وتحط بحرية كافية على كتف الدهشة والتنوع والإختلاف.. وأما كونه أميرها الفقير فهاهو يعلن مملكة شاسعها، بعيداً عن التكلف، وألاعيب اللغة البهلوان، وثقة المتأكدين من مؤزر انتفاخهم الواثق.. منذر المصري شاعر سوري أنجب أربعة دوواين اقتادوا بعضها إلى مخافر التأديب والمنع، شهرّوا به وبها.. ولكن في نهاية الأمر اعترفت به مصر الصعبة الرضى.. وكان الشاعر الذي افتتح ملتقى قصيدة النثر الثاني المقام أخيراً فيها.. قصيدة النثر تلك اللقيطة التي يصفها ضاحكاً هذا الأب الفكه، بكلمات تليق بإرتباك ولد.. حقيقي ومكتمل هذا الشاعر وهو بيننا ولم نفترسه بعد (تخيلوا).. نحن أفارقة الوثن، وأكلة قلوب الفرح في هذا الشرق الحزين. منذر المصري شاعر سوري أنجب أربعة دوواين اقتادوا بعضها إلى مخافر التأديب والمنع، شهرّوا به وبها.. ولكن في نهاية الأمر اعترفت به مصر الصعبة الرضى.. وكان الشاعر الذي افتتح ملتقى قصيدة النثر الثاني المقام أخيراً فيها.. قصيدة النثر تلك اللقيطة التي يصفها ضاحكاً هذا الأب الفكه، بكلمات تليق بإرتباك ولد.. حقيقي ومكتمل هذا الشاعر وهو بيننا ولم نفترسه بعد (تخيلوا).. نحن أفارقة الوثن، وأكلة قلوب الفرح في هذا الشرق الحزين. [ (لأني لست شخصاً آخر) أصدرت مجموعتك الأخيرة بهذا العنوان لتعرفنا أكثر على رجل قضى حياته في حروب قامت وما قعدت بين أمه الغرائز وأبيه العقل ولكن أخته العاطفة هي من قتله .. هل مجموعتك الأخيرة الصادرة عن قصور الثقافة في مصر ما يشبه العودة الى مرآة أبعد قعراً لتراك، ونراك بدورنا أوضح؟ - الكتاب الذي صدر لي مختارات شعرية، وليس مجموعة جديدة، للأسف! ولكن أيضاً لحسن الحظ، لأن هذه ربما الطريقة الأنسب للتعريف بأي شاعر لجمهور الشعر في بلد آخر غير بلده، لا يضاهيها سوى طبع الأعمال الكاملة. كما حصل مع أنسي وأدونيس في ذات السلسلة. وبذاك يكون صحيحاً قولك إن ذلك أشبه بعودة إلى مرآة أبعد قعراً لأرى نفسي، وليراني الآخرون بذات الوقت. كنت دائماً أشعر أن عرض رسومنا يتيح لنا، وكأننا أشباح نقف على مبعدة أمتار من أجسادنا، أن نرى الآخرين وهم ينظرون إلينا. أما عن أختي العاطفة، فهذه القصيدة المبكرة جداً، تبين أن شعري منذ البداية لم يكن يقتصر على اليومي والعياني. إنها قصيدة عن الثالوث الإنساني، الذي ربما بقادر على تمزيقنا: العقل والغريزة والعاطفة، والذي يمكن بتحريفه قليلاً أن يطابق الثالوث الأشهر، الذي يوحدنا؛ الآب والابن والروح القدس. نعم أنا الذي جئت من أبي العقل وأمي الغريزة.. أختي العاطفة هي من قتلني. أعاف المتفاصحين والبلغاء .. فما بالك بالفطاحل؟ [ اختارك الشعراء المجتمعون في مؤتمر القاهرة المنعقد تحت عنوان (قصيدة النثر والتعددية الثقافية) لإلقاء كلمة الشعراء العرب في حفل الإفتتاح. أنت التي أربكتك المنصات وفررت منها، وخيبت ببساطة ظن من توقع خطاباً متجهماً (ببيون) كياسة، وبلاغة لا تلزم. ماذا يعني لك هذا الإختيار، وكيف احتالوا عليك وأقنعوك قبل أن تفر، أو تنسى كعادتك؟ - اختارتني اللجنة التحضيرية لملتقى قصيدة النثر الثاني لإلقاء كلمة الشعراء العرب. وأعلن هذا رسميا ونشر في الصحف وتناقلته مواقع الأترنيت قبل أن أبدي موافقتي!؟ وبالفعل عندما أزف لي محمود القرني هذا النبأ.. اعتذرت على نحو قاطع (طبعي ومزاجي لا يسمح لي بشيء مثل هذا..) كتبت له. ولكني عندما صرت بالقاهرة وجدتني مضطراً لأسباب كثيرة، أهمها رغبتي أن لا أخيب ظن أولئك الذين جمعوا من بعضهم النقود لتأمين تذكرة سفري. كتبت الكلمة قبل موعد إلقائها بساعة، وبعد أن تشاورت مع بعض الشعراء العرب الذين كانوا يتوقعون أن يزيد الأمر عن مجرد كلمة شكر أو ترحاب!؟ وهكذا كان أول ما احببت أن أوضحه في كلمتي أنها ليست بياناً شعريا ولا رؤية محددة تعبر عن الشعراء العرب، بل فقط كلمة الشكر التي تقتضيها المناسبة، ثم كعادتي قمت بشخصنة شبه كاملة للحدث وتكلمت عن شعوري الشديد الغرابة بالألفة الشديدة التي أشعر بها تجاه الناس والمكان ؟! حيث أنني أحط لأول مرة في حياتي في المكان الذي يشير له اسمي. كما أبديت شعوري بالغرابة لكون قصيدة النثر، تلك اللقيطة، الشريدة، الهجينة، بات لها ملتقيات ومهرجانات ؟؟!! نعم تربكني المنصات والمنابر.. وأصلاً لا أظن المنصات والمنابر والمهرجانات المطارح المثلى لشعراء قصيدة النثر، الذين يدعون أول ما يدعون أنهم يقدمون البديل للشاعر المنبري والشاعر المهرجاني. تربكني المنصات والمهرجانات، نعم ولكني أحب أن أحافظ على بعض إرتباكي حين أقرأ أشعاري أو أقوم بمقابلة ما.. لأني في الحقيقة أعاف المتفاصحين والبلغاء فما بالك بالشعراء الفطاحل. هؤلاء الذين يتمايلون ويشرئبون وهم يتلمظون مفرداتهم وكأنها درر مكنونة!؟. الشعر الذي أصدقه وأحبه، والشاعر الذي أحب أن أكونه، لا يسمح لي أن أكون من صنف الشعراء الكبار والمشاهير. [ نعود لمجموعتك الصادرة أخيراً في مصر، نحن نعرف أن خطك الشعري دائماً محتف بالكائن، ويومياته، والعابر من تفاصيله بعيداً عن التعالي، والإيقاع الصاخب للنص .. هل مازال هذا الخط حاضراً في منجزك الشعري الأخير؟. - كنت وما زلت أحاول ما أمكنني أن أبعد نصي وحياتي عن الافتعال بكل ضروبه، والتعالي، والصخب. شعري لولا أنه بالنسبة لي شيء عضوي، (طلق القافية/ حطم الميزان/ وقال: علي أعود عاشقاً/ علي أن أكون هواء)، لولا أني أتعامل معه كأسلوب حياة، لولا تلك الرغبة الأقرب للغريزة في مشاركة الآخرين لما أكتب، لهجرته منذ زمن. لأنه مرة وسوس لي شيطاني أنه يمكنني العيش بدونه!؟ هناك نقلة في لغتي منذ (الشاي ليس بطيئاً) توضحت أكثر في (من الصعب أن أبتكر صيفاً). عندما تكشف لي، على نحو ساحر، أنني بلغة جديدة أستطيع أن أكتب شعراً جديداً!. وهكذا بدأت تتسلل لقصائدي عبارات مثل (تصادف أني كنت جناحاً من الحنان) أو (قمر نهاري يذوب في ضوء قوي). إلاّ أن ذلك لم يكن على حساب فهمي الخاص لقصيدة النثر، ولا أهتمامي بالتعبير عن تجربتي الحياتية وأفكاري وأحاسيسي. [ أن تطبع القاهرة أخيراً لمنذر المصري. هذا الفتى الذي لا يضايقه جهل الناس به، رغم عمر طويل (شاب) وربع قرن على مجموعة أولى.. لا شك أن لهذا الإعتراف وزنه وأهميته بالنسبة لك .. كيف تعاملت مع هذا الحدث المتأخر ربما؟ - أخيراً طبعت القاهرة لكثيرين. أقصد القاهرة تفعل هذا متأخرة عقوداً!؟ من ذات السلسلة (أفاق عربية) الشهيرة صدرت الأعمال الكاملة لأدونيس وأنسي الحاج!؟ ثم تبع ذلك مختارات لنوري الجراح وعناية جابر وجمانة حداد وبسام حجار وجودت فخر الدين وسعدية مفرح وجمعة اللامي.. ولكن نعم لهذا الحدث، وزنه وأهميته بالنسبة لي.. يقول عباس بيضون عني إني (شاعر) لديه ثقة بشعره.. أنشر قصائد مكتوبة منذ ربع قرن، ومجموعات طي الأدراج مضى عليها دهر: (أشعاري إن صارت خلاً.. ترضيني). الجزء الأول من أعمالي الشعرية: (المجموعات الأربع الأولى: آمال شاقة - بشر وتواريخ وأمكنة - الحب يرى الكره أعمى- دعوة خاصة للجميع) منها مجموعتان غير مطبوعتين. أمّا الجزء الثاني قيد الصدور، (داكن وملحقه- وبولونيزات وتجارب أخرى ناقصة- لمن العالم والمطولات) فجميعها غير صادرة!؟ لكن الجزء الأخير يتضمن الأربع مجموعات: (الصدى الذي أخطأ- الشاي ليس بطيئاً- من الصعب أن أبتكر صيفاً) الصادرة كلها، باعتبار أن (الصدى الذي أخطأ) يشكل الجزء الأكبر من (مزهرية على هيئة قبضة يد-1997). وبقدر ما استقبلت مجموعاتي عند صدورها بالترحيب والإعجاب بقدر ما واجهت نقداً عنيفاً وتهجمات وصلت لحدود الشخصي والأخلاقي!؟ ولكنها كانت مع الأيام تعمل عملها وتثبت نفسها. ثم إني لا أعتبر نشر مختارت لي (.. لأني لست شخصاً آخر) في مصر الآن، حدثاً متأخراً على الإطلاق. متأخر عن ماذا؟! ما آمله أن يبقى شعري حياً، ومؤثراً قروناً.. هذا إن كتب للبشرية أن تحيا قروناً آخرى. شعراء قصائد غير النثر.. مخلفات قوافل وسيركات وأطلال [ تقول متسائلاً في مؤتمر القاهرة أيضاً وبكلمة الافتتاح التي اخترت لتقدمها: (هل صحيح أن قصيدة النثر الملعونة، واللقيطة، ابنة الحرام، وقاطعة الطريق تصلح ليقام باسمها مهرجانات ومنتديات) ماهو مصير هذه القصيدة، وأين وصلت على صعيد الحضور والأهمية وخصوصاً أنك في شعرك لا تعتقد نفسك قائداً ولا نبياً بل محض انسان عادي تخلى عن العظمة كما دعى آلن غينسبرغ الشعراء يوماً؟ - قصيدة النثر اليوم هي - أستطيع القول دون أي تردد - الحصان الذي يراهن عليه الشعر العربي الحديث بكل ما لديه. 99% من المواهب الشعرية الجديدة، والتي تطمح لدخول معترك الشعر، وتبذل كل ما يجب ليتاح لها ذلك، تختار قصيدة النثر لتؤكد موهبتها وتثبت نفسها. شعراء القصائد الأخرى، أشبه بمخلفات قوافل، مخلفات سيركات، أطلال.. أناس مصرون على معاندة الزمن والحياة، وطبعاً هذا حقهم وهم من يدفعون، وأحياناً، يقبضون، ثمنه. بسياق ما إطلعت على بعض نتاج الشعراء الذين فازوا بجوائز وألقاب، مثل شاعر المليون، أو أمير الشعراء، أو شاعر العرب ؟! وجدتها بمجملها ذات معان وصور مكرورة ومستهلكة.. إن لم أقل ساذجة ومضحكة. أعتذر من هكذا أحكام مسبقاً، ولكن تصور تجري هذه المسابقات وتقدم هذه الجوائز وكأنه لم يتواجد قط في تاريخ الشعر العربي توفيق الصائغ ومحمد ماغوط وشوقي أبي شقرا، ولا سركون بولص وحلمي سالم وقاسم حداد، ولا رياض صالح الحسين ولقمان ديركي ونوري الجراح ولا بسام حجار وأمجد ناصر ويوسف بزي ولا لينا الطيبي وهالا محمد وإيمان مرسال ومرام مصري.. التي ترجمت إلى 15 لغة عالمية.. ولا ولا أحد.. [ اسمح لي أن أعود لكلمتك في مهرجان القاهرة والتي تحاول فيها تعريف الشعر الذي تؤمن وتكفر به بآن معاً. لتحدثنا قليلاً عن هذه المساحة الغائمة التي تشي بصرامة وحكمة (منذريوس مصريام) الاسم أنت ابتدعته لك؟ - تقصد قول منذريوس (عندما قال: الله غير موجود. خاف أن يكون الله قد سمعه). طبعاً إنها حالة إيمانية عالية، أستطيع الإدعاء. ذلك لأنها امتحان للذات بين قطبيها الأشد تناقضاً وتطابقاً معاً. لحظة التجرؤ، التهور و التجديف، ولحظة الخوف والرعب والشك!؟ منذريوس مصريام لا أكثر من إنسان عادي صادف الرسول بولس مرة أو مرتين خلال مروره بلاوديسا، ومن المرجح أنه سمعه وتبادل مع الكلام، ثم أرسل له عدة رسائل يجادله بها في قضية الجسد والشهوة والخطيئة. وقد استخدمت مقاطع منها في مقدمتي الطويلة لقصيدة (ساقا الشهوة) التي صودر كتابي (داكن) بسببها، ومزقت صفحتاها من مجلة الناقد عن دخولها بلدي سوريا، وبلاد عربية أخرى. ويحلو لي من حين لآخر أن أقوِّله أغلب ما يخطر على بالي من أفكار. كما حين فعلت في استهلالي للقصيدة (زهر وثمر، نشوة وحياة.. هذه أيضاً أعمال الجسد) وكذلك برده على بولس الرسول (أشكرك يارب لأنك خلقتني ليس كباقي الناس) فلا يكون لمنذريوس إلاّ أن يقول (أشكرك يارب لأنك خلقتني كباقي الناس) في استهلالي لقصيدة (الناس).

كلمات مفتاحية
Show more