محاولة التـّصدي لبدايات المسألة الدّيمقراطية في مملكة البحرين هي محاولة لإثبات جانب مهم في حياتنا السـّياسيـّة والدّيمقراطيّة والفكريّة الآنية، فهي محاولة تربط تطوّر الفكر الدّيمقراطي، بمراحل تطوّر التـّاريخ السـّياسي البحريني، ومن خلالها تتبين وتتأكد العلاقة الوثيقة بين تطوّر الديمقراطيّة في البحرين وبين دور السـّلطة الأجنبيّة التـي لعبت أدوارًا أساسيـّة في تاريخ البحرين السـّياسي الحديث. فهذه الأخيرة هي من صنع الظـّروف السـّياسيـّة والاقتصاديّة في البلاد خلال أهم مراحل حياة البحرين كدولة حديثة. فقيام بريطانيا بإلزام الدّولة باتـّفاقيات تتعلّق باستغلال مصادر الثروات الطّبيعيّة، وفتح مكاتب البريد واللاّسلكي (1886) وتعيين معتمد سياسي، (1900) وتماديها في رسم وتدبير شؤون البلاد الدّاخليّة، بدءًا من شؤون الجمارك وشؤون القضاء، وانتهاءً بكل الشؤون الأخرى، يؤكّد رغبتها الشديدة في تمكين مؤسساتها السـّياسيّة والإداريـّة، من التـّغلغل في شرايين حياة المجتمع الدّاخلي، مع خلخلة التـّركيبة العشائريـّة والنـّظام السـّياسي القبلي. ومما لاشك فيه أنّ السـّياسة «البريطانيّة» وهي تحاول منذ مطلع القرن العشرين، فرض منظومتها القانونيّة والسياسيّة الملائمة لمصالحها في الدولة، أحدثت تغييرات اجتماعيّة، وتطويرًا في الاقتصاد، كما نتج من خلالها وعي سياسي لدى المواطنين «دونما رغبة منها» كما أنّ المجتمع أصبح أكثر تميّزا من غيره بالتـّحضر النسبي، القائم أساسًا على تعدّد الموارد الاقتصاديّة، والتراث العريق في مختلف أوجه المعيشة البحريـّة والتـّجاريـّة والزّراعيّة، واتساع هذه الخصوصية دفعت المجتمع البحريني إلى التـّفاعل الفوري مع مجريات الأحداث والمتغيرات التي شهدها العالم، ومنطقة الخليج العربي على وجه الخصوص، فتأثّرت بذلك نواحي الحياة العامة في الدّولة، وبدأت تتشكل مؤسّسات أهليّة وحكوميّة ذات طابع ثقافي وسياسي وإداري وتجاري اتـّسمت بالتـّنظيم والاستمراريـّة. ولمـّا كان حكم الشـّيخ «عيسى بن علي» قد قام على الكليّة، وقوّة السـّلطة المركزية، في شكله ومضمونه، وتجنـّب التـّجزؤ وتحاشي كل شأن يضعف السـّلطة المركزية، والتي هي من سمات المجتمع القبلي، فإنّ دولته قد تمتعت بشكل عام بحكم قار وهادئ. ومن المعلوم أن الشيخ «عيسى بن علي» تسانده نخبة من الشخصيات الوطنية لم يكن على وفاق تام بالساسة البريطانيين الساعين لتثبيت أهداف استعمارية في الدولة، الأمر الذي كثرت معه المواقف المتصدية لهذه الأهداف الاستعمارية، ولما كان ذلك خرجت مطلع القرن العشرين، فكرة إنشاء تنظيم شعبي (1911) يهدف إلى مساعدة الحاكم في قراراته السـّياسيـّة، وبذلك برزت على السطح السياسي أولى براعم الدّيمقراطيّة الحديثة، وكان من أهم أسباب ظهورها، استقرار نظام الحكم وثباته، وتلاحم البيت الخليفي، وتخلخل التـّركيبة العشائريّة والنـّظام السـّياسي القبلي السـّائد في الدّولة، وغلبة الثـّقافة المدنيـّة على الثـّقافة البدويّة والقبليّة، والسّعي البريطاني لجعل جزر البحرين مركزًا لسياستها الاستعماريّة في المنطقة. كان ذلك عندما اعترض بعض الأهالي على قرار بريطاني عام 1911 بمنع تجارة الرقيق والسلاح، ولأنه طبق على الفور ولم يراع أعراف التجارة في المنطقة وداخل الدولة، لجأ الأهالي إلى الشيخ «عيسى بن علي» يطالبونه بالتدخل، فعقدوا اجتماعًا معه، انتهى باقتراح تشكيل لجنة استشارية منهم تساهم بمعيته على منع السلطة البريطانية من الاستبداد برأيها، والحد من فرض قراراتها، وقد شُكلت هذه اللجنة بالفعل، ومنح الشيخ «عيسى بن علي» أعضاءها أوراقًًا ووثائق تتعلق بهذا التشكيل السياسي الجديد، وأخذ منهم تعهدًا بالطاعة والالتزام بالأوامر. وهكذا تأسّست رسميًا من النـّواحي الشكليّة في الدولة، أوّل مؤسّسة سياسيّة شعبيّة داخل إطار ديمقراطي، تهدف إلى مساعدة الحاكم في تدبير جانب من شؤون الدّولة، ولكّنها على أرض الواقع لم تتمكن من مباشرة عملها، فقد سعت أطراف أخرى للقضاء عليها في مهدها، وهناك من رأى أنّ سلطة الحماية «البريطانيّة» هي من سعت لحلهـا. وقبل أن ينتهي ثاني عقد القرن العشرين، ومع نمو الوعي القومي والوطني، ظهرت دعوات ومطالب لشخصيات ومجموعات وطنيّة، ذات أطياف مختلفة، امتزجت بين ما هو قومي وبين ما هو وطني، وبين ما هو شعبي وما هو فئوي، وما هو كلّي وما هو جزئي، وفي ظل المستجدات ومخرجات التـّغييرات، وفي مناخ يسوده قدر لا بأس به من الوعي الثقافي والسـّياسي والديمقراطي، أرادت بعض النـّخب والشـّخصيات أن يكون لها نصيب في صنع القرار السياسي الذي يرتبط بمصالحها ويحدّد مستقبلها، حصل ذلك عندما عارضت شريحة من كبار تـُجار الدّولة تأسيس أوّل بلديّة فيها، لأنه يستوجب تغيير قانون الجمارك، وارتفاع الضـّرائـــب، وإلغاء الاستثناءات الممنوحة لهم. وبرضا الحاكم وتحت بصره وبتشجيعٍ منه، استطاع التـُّجار أن يكونوا فاعلين أساسيين في تنفيذ العديد من المشاريع الوطنيّة، وأن يشاركوا في صنع وتفعيل القرار السياسي الداخلي، تكشف ذلك عندما ظهرت فكرة إنشاء مجلس المعارف عام 1919، والتي كان لهم نصيب في بلورتها، فقد أدّوا دورًا أساسيًا في إحيائها وطرحها على أرض الواقع، كما شاركوا في الصـّراع الدّائر بين السـّلطة «البريطانيّة» وبين الشيخ «عيسى بن علي» في مسألة تشكيل المجلس، حيث كان لهم حضور بارز في نشاطاته، خاصةً وأنّ هذا المجلس تكوّن من أهــم الشـّخصيــات المعارضة للنـّفوذ «البريطاني»، أمثــــــــــــال: «عبدالوهاب الزّياني» و «قاسم الشـّيراوي» و«عبدالرّحمن الزّياني» و«شاهين الجلاهمـة» و«محمد بن راشد بن هندي و«عبدالله الدّوسري» و«محمد بن صباح البنعلي». وترأسه الشـّيخ «عبدالله بن عيسى» ابن الحاكم. وحوّلت النـّخبة الوطنيّة المثقـّفة، مجالسها الخاصّة إلى مقراتٍ يجتمع فيها أعيان البلاد وعلماؤها، ونخب الشـّباب الذين درسوا أو سافروا إلى (الهند)، وتشرّبوا هناك روح المقاومة الوطنيّة ضد الاستعمار، وتصدّر مجلس الشـّيخ «إبراهيم بن محمد» والشـّيخ «عبد الله بن عيسى» هذه المجالس. وعلى الرّغم من ميل أغلب المجالس نحو العمل التـّثقيفي، إلاّ أنّ العمل السـّياسي أخذ مكانًًًًا بارزًًًًا في نشاطاتها، فانطلاق فكرة إنشاء مجلس بلدي، والسـّعي لإنشاء مجلس للمعارف عام 1917 كان ثمرة من ثمرات أنشطة هذه المجالس، وهي من حثّ الشـّيخ «عبدالله بن عيسى» على السـّفر إلى «بريطانيا» عــــــام 1919، لتقديم مذكرة احتجاج على تطبيق قانون المستعمرات، فقد جمعت تبرعات بلغـــت «50 ألف» روبيّة، ودفعت بعض أعضائها إلى مزيد من التـّحركات، فشملت تحركاتهم «بوشهر»، لتقديم الشـّكاوى والعرائض إلى المقيم «البريطاني» فيها، هذه المواقف والتحركات والأنشطة الوطنية، والتي كانت ناتج لمشاركة بين الحاكم والمحكوم، براعم جديدة كانت تبشر لديمقراطية حديثة في البحرين والمنطقة.