قال د. علي بن عمر بادحدح إجابة على سؤال فقهي مفاده:ماذا يمكن للمسلم الغيور على دينه أن يفعل وهو يرى إخوانه يأكلهم الانحراف بمختلف أنواعه، في زمن أصبح فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جريمة تعاقب عليها القوانين، قال: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة في الإسلام، بل هي الشعيرة المميزة للأمة المسلمة، كما قال الله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله»، وهي الشعيرة الفارقة بين المؤمنين والمنافقين «المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف»، وقال: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر». وهي شعيرة معدودة في أسباب النجاة من العذاب «فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون»، وقد أخبر النبي (ص) بالأثر الخطير لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لكم، كما أنه أوضح أن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: «فكان أحدهم يرى صاحبه على المنكر فيقول: يا هذا إنه لا يحل لك، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم، وتلا قول الله عز وجل «لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون». ومع هذه الأهمية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثره في الأمة فلابد من معرفة جملة من الأمور المهمة. شروط إنكار المنكر وضع الفقهاء عدة شروط لإنكار المنكر متى تم استيفاؤها لزم الإنكار أو التغيير، وأهم هذه الشروط خمسة: (1) وجود منكر. (2) أن يكون المنكر موجوداً في الحال. (3) أن يكون المنكر ظاهراً دون تجسس (4) أن يكون المنكر معلوماً بغير اجتهاد. (5) أن يدفع المنكر بأيسر ما يندفع به. الشرط الأول: وجود منكر: ونعني به كل معصية حرمتها أو كرهتها الشريعة: الشرط الثاني: أن يكون المنكر موجوداً في الحال: والمعنى أن يكون مقارف المنكر مباشراً له في الحال أي وقت النهي أو التغيير، فليس هناك نهي على من باشر المنكر وانتهى منه، فذلك أمره إلى السلطات العامة لتوقيع العقاب عليه، وأيضاً ليس هناك نهي على المنكرات المستقبلية، كأن يعرف الناهي بقرينة الحال أن الشخص قد عزم على الشراب في ليلة فليس له إلا وعظه، وإن أنكر عزمه على ذلك لم يجز وعظه؛ لأن في ذلك إساءة ظن بالمسلم . الشرط الثالث: أن يكون المنكر ظاهراً دون تجسس: أن يكون المنكر ظاهراً بغير تجسس أو تفتيش، فإذا توقف إظهار المنكر على إيهام لم يجز الإنكار لتحريم التجسس كتاباً وسنة، فالله يقول: «ولا تجسسوا ...» وقول الرسول – (ص) - لمعاوية: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم»، وقوله – (ص) –: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته»، ولكن ذلك مقيد بعدم ظهور آثار لذلك المنكر. الشرط الرابع: أن يكون المنكر معلوماً بغير اجتهاد: فكل أمر محل اجتهاد لا نهي فيه ، وليس للمجتهد أن يتعرض بالردع والزجر على مجتهد آخر في موضع الخلاف. الشرط الخامس: أن يدفع المنكر بأيسر ما يندفع به: ويشترط في دفع المنكر أن يدفع بما دفعه وبأيسر ما يدفعه، فلا يجوز أن يدفع المنكر بأقل مما يدفعه ما دام الدافع قادراً على دفعه بالأكثر، ولا يجوز أن يدفع بأكثر مما يدفعه لأن ما زاد على الحاجة يعتبر جريمة، ولكن يجوز دفع المنكر بأقل مما يدفعه في حال عدم القدرة كالدفع بالقلب لمن لا يستطيع الإنكار باليد أو اللسان...، وإذا كان المقصود بالأمر بالمعروف إيقاع المعروف والنهي عن المنكر فإذا ارتفع الغرض بالأمر السهل لم يجز العدول عنه إلى الأمر الصعب، وهذا مما يعلم عقلاً وشرعاً. شروط القائم بالأمر والنهي (1) الإسلام. (2) التكليف. (3) العلم. (4) القدرة. الشرط الأول: الإسلام، وليس على غير المسلم التزام بمثل هذا الواجب؛ لأن معنى إلزامه به هو إلزام بالدعوة إلى غير ما يعتقده ويؤمن به، وذلك يدخل في باب الإكراه المنهي عنه في الإسلام في قوله تعالى «لا إكراه في الدين» فضلاً عن أن ذلك معارض من وجهين:1- أن الاحتساب واجب ديني، وثانيهما أنه سلطة وولاية، وليس لغير المسلم ولاية على المسلم. الشرط الثاني: التكليف: ويشترط في من يمارس الرقابة أن يكون مكلفاً أي بالغاً عاقلاً لا يحول دون تكليفه حائل، وهذا الشرط شرط للوجوب وليس شرطاً للأداء، أي أن الرقابة باعتبارها واجباً لا يثبت إلا في حق المكلف فقط ويسأل عن تركها، بعكس غير المكلف الذي لا يلزم بأدائها ولا يسأل عن تركها. الشرط الثالث: العلم: ولا يكون العمل صالحاً إن لم يكن بعلم وفقه، كما قال عمر بن عبد العزيز : من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ولابد أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عالماً بحكم الشرع فيما يأمر به وينهى عنه.. فإن الحسن ما حسَّنه الشرع والقبيح ما قبحه. الشرط الرابع: القدرة: ولها أربع أحوال: الحالة الأولى: أن يعلم أنه لا ينفع كلامه ويضر به إذا تكلم، فلا تجب عليه الحسبة، بل ربما تحرم في بعض المواضع، ولكن يلزمه عدم حضور مواضع المنكر والاعتزال في بيته، وعدم الخروج إلا لحاجة ملحة أو واجب، وعليه الهجرة إذا أرهق على الفساد وكان قادراً عليها. الحالة الثانية: يعلم بأن المنكر يزول بقوله وفعله ولا يسبب له مكروهاً، فيجب الإنكار وهذه هي القدرة المطلقة. الحالة الثالثة: أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره لكنه لا يخاف مكروهاً، فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، ولكن تستحب، لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين. الحالة الرابعة: وهو أنه يعلم أنه سيصاب بمكروه ولكن يبطل المنكر بفعله، كأن يريق الخمر من يد الفاسق ولكن يعلم أنه يرجع إليه فيضرب رأسه، فهذا ليس بواجب وليس بحرام بل هو مستحب. وقد قال الحسن البصري رحمه الله :(إنما يكلم مؤمن يرجى أو جاهل يعلم فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال: اتقني اتقني فما لك وله؟) وقد روى ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال الرسول – (ص) –: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: يا رسول الله وما إذلاله لنفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يقوم به»، قال ابن حجر: (وقال: بعضهم: يجب إنكار المنكر شريطة ألا يلحق بالمنكر بلاء لا قبل له به من قتل ونحوه). وقال آخرون: ينكر بقلبه لحديث أم سلمة مرفوعاً: «يستعمل أمراء بعدي فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع»، وقال: والصواب اعتبار الشرط المذكور ويدل عليه حديث: «لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه» ثم فسره بأن يتعرض من البلاء لما لا يطيق، وقال غير الطبري:(يجب الأمر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على نفسه ضرراً). معيار الموازنة عند ابن قيم الجوزية: يرى أن الموازنة بين إنكار المنكر ونتيجته تتمثل في أربع حالات. 1. أن يزول المنكر ويخلفه ضده. 2. أن يقل المنكر وإن لم يزل بجملته. 3. أن يخلف المنكر ما هو مثله. 4. أن يخلف المنكر ما هو شر منه. فالدرجتان الأوليتان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة. حدود القدرة والاستطاعة: إن أحاديث الرسول – (ص) – قد أوضحت لنا - بلا أدنى شك - حدود الاستطاعة البشرية في الإنكار... والعبرة هو حديث «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» وفي رواية «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»، ويكتمل المعنى في هذا الحديث بحديثين آخرين يوضحان حد القدرة التي يقف عندها كل مسلم في إنكاره... وأولهما قول الرسول – (ص) –: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» وثانيهما: هو قول الرسول – (ص) –:«لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه» قالوا : يا رسول الله وما إذلاله لنفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يقوم به؟ مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أ. الإنكار القلبي (المقاومة السلمية): قال تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون»، ويقول الرسول – (ص) – «سيكون أمراء تعرفون وتنكرون، فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، ومن خالطهم هلك»، وعن جابر بن عبد الله أن النبي – (ص) – قال لكعب بن عجرة: «أعاذك الله يا كعب بن عجرة من إمارة السفهاء»، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: «أمراء يكونون بعدي، لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردوا علي حوضي». ب. الإنكار القولي: وللإنكار القولي درجات ومراحل منها: 1. التعريف: فقد يقدم المكلف على اقتراف المنكر جهلاً منه بكونه منكراً، حتى إذا وجد من يرده إلى طريق الحق اهتدى، فيلزم التعريف أولاً بأسلوب هادئ رقيق، وينبه الإمام الغزالي إلى آفة خطيرة، وهي أن يدل العالم على مقترف المنكر بعلمه، فيكون هدفه إثبات تفوقه عليه، فإن كان الباعث هذا فهذا منكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه. 2. النهي بالوعظ، والنصح والتخويف بالله تعالى، ويكون فيمن يقدم على الأمر وهو عالم بكونه منكراً، أو فيمن أصر عليه بعد أن عرف كونه منكراً، ويباشر المحتسب النصح في هذا المقام من غير عنف ولا غضب. 3. السب والتعنيف بالقول الخشن: ويكون ذلك عند العجز عن منعه باللطف، وظهور مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح، وليس المقصود بالسب أن يرميه بهجر القول والفاحشة، بل يقتصر على السب الخفيف الذي يصدق على واقع الحال، كأن يقول له: يا من لا يتقي الله، يا فاسق يا جاهل... إلخ، وهنا ينبغي مراعاة ما يلي: أ. أن لا يقدم على التعنيف إلا عند الضرورة والعجز بالطريقة الأولى. ب. أن لا ينطق إلا بصدق، ولا يسرف في الكلام، بل يقتصر على قدر الحاجة. 4. التهديد والتخويف: وشرط ذلك أن لا يهدده بوعيد لا يجوز له تحقيقه، كقوله: لأنهبن دارك، أو لأسبين زوجتك، وما يجري مجراه فهذا حرام إن قصد فعله، وكذب إن لم يقصد إليه. ج. الإنكار الفعلي: وهو نوعان: (أ) الإنكار باليد فيما دون استخدام السلاح (ب) الإنكار باليد بالخروج والسلاح. وأقول للسائل وغيره وأمثاله إن الأمر والنهي دين وشرع وليس مشاعر خاصة ولا حماسة طارئة ولا رد فعل عارض، فلابد من الانضباط الشرعي، ومراعاة المصالح والمفاسد على أساس شرعي، مع اليقين التام والتسليم الكامل بأن ما في الشرع هو المحقق للمصالح الدنيوية والأخروية، وهو الأجدى، والأنفع للفرد والمجتمع، وألخص وصيتي في هذه النقاط: أ. الإنكار القلبي إنكار تغييري بدليل أن النبي – (ص) – قال:«فليغيره» ثم ذكر وسائل التغيير «بقلبه» وفيه فوائد: * إبقاء جذوة الإيمان متقدة. * التفريق بين المؤمن والمنافق فكلاهما لم يغير باليد، لكن الأول كاره والثاني راض. المحاصرة النفسية والعملية لفاعل المنكر؛ حتى لا يجد من يعينه أو يهون عليه المنكر، بل يرى نفسه مهجوراً مذموماً. ب. الإنكار القولي: وهو جهاد الدعوة ومداه واسع وأثره كبير وفوائده عديدة ووسائله متنوعة والتقصير فيه كبير، ويمكن أن يكون تأثيره كبيراً في تغيير كثير من المنكرات. ج. الإنكار باليد يمكن ممارسته في دائرة الولاية داخل الأسرة أو داخل العمل الذي يملكه الإنسان ويتصرف فيه، ولكن لابد من مراعاة المراتب والتدرج وكذلك الأسلوب. أما الإنكار العام فإن كان يؤدي إلى منكرات أكبر أو اضطراب في الأحوال وخلل في الأوضاع وحتى ضرر مؤكد أو غالب على الإنسان فتركه صحيح، وأما الخروج فضرره أكبر وخطره أعظم في الجملة، والبعد عنه والتحذير منه مهم لدفع مفاسده.