رفض فقهاء وعلماء الشريعة الإسلامية المقترحات المقدمة بخصوص تعديل قانون الأحوال الشخصية المصرية والتي تقضي بتقييد تعدد الزوجات وجعله بيد الزوجة وإذنها، وجعله شرطًا في وثائق الزواج. وكانت بعض المصادر قد تناقلت عزم أمانة السياسات بالحزب الوطني الحاكم في مصر التقدم بمشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، يكون من أهم بنوده تقنين يقيد تعدد الزوجات لأول مرة في مصر، ضمن مجموعة شروط من بينها الحصول على تصريح من المحكمة، وألا تكون الزوجة الأولى قد اشترطت عليه عدم الزواج ثانية في ظل ارتباطه بها، وإعطاء المرأة في كل الأحوال حق الطلاق الفوري بمجرد زواجه بأخرى... يأتي هذا في حين أن القانون رقم 100 لسنة 1985جعل للرجل حق الزواج في حدود 4 زوجات، بشرط أن تعلم الزوجة الجديدة بأنه متزوج بأخرى، وأن تخطر الزوجة السابقة بخطاب مسجل بعلم الوصول بأنه سيتزوج بأخرى ويبين اسم الزوجة التي سيتزوج بها. كما فرض القانون على الزوج والمأذون الذي يقوم بإجراءات عقد زواجه من أخرى، إخطار الزوجة السابقة، وفي حال عدم القيام بذلك تطبق عليهما عقوبة الحبس.. كما أعطى القانون للزوجة الأولى الحق في رفع دعوى تطليق للضرر من زواجه الجديد في حدود وأعطى لها مهلة في حدود عام واحد من زواجه عليها. مجمع عليه بداية يؤكد الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر أن تعدد الزوجات من الأمور المجمع على جوازها، ومن المقرر شرعا أنه لا إنكار في المختلف فيه ولكن ينكر إنكار المجمع عليه. ويتابع: «ومن المعروف أن هناك ثوابت وأصولا تعد مسلمات شرعية لا تقل قوة عن المسلمات العقلية، فحلالها وحرامها ومباحها هكذا في الماضي والحاضر والمستقبل، وعلى ضوء هذا فالتعدد من الأمور المباحة بلسان الشرع، وليس بسنة ملزمة، ولا ببدعة تجتنب». وحول حق ولي الأمر في تقييد المباح، يوضح كريمة أن المباحات التي يجوز لولي الأمر تقييدها مرتبطة بالضرورة، مؤكدًا أن هذه المسألة لا توجد ضرورة لا شرعية ولا عرفية ولا اجتماعية تستدعي التقييد فيها؛ لأن المجتمع المصري غالبا لا يهتم بأمر التعدد. ويدلل على كلامه قائلا: «لو تم إحصاء المعددين في المجتمع المصري وقورن بعدد السكان فسنجد أن النسبة ضئيلة، أو في حكم النادر، وعليه فالتقنين المقترح لا ضرورة له، ثم إنه سيثير فتنة في المجتمع جراء العبث في أصول شرعية، والقاعدة الشرعية تقول: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح». ويطالب كريمة الجهات المعنية قائلا: «بدلا من العبث في هذه الأصول لا بد من أن نولي اهتماما لمحاربة ما يسمى بالزواج السري، ومشكلة مجهول النسب، واللقطاء، والطلاق المبكر، والعنوسة، والعزوف عن الزواج.. وغيرها من المشاكل التي تهدد أمننا الاجتماعي وتنذر بعواقب وخيمة». تقنين مرفوض الدكتور محمد دسوقي أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة يؤكد هو الآخر رفضه لأي إجراء قانوني يمنع الرجل من تعدد الزوجات إن أراد ذلك، «باعتبار أن المسألة مباحة شرعا فلا يمكن تقيدها قانونا...». ويوضح أن «جعل التعدد قانونا بإذن الزوجة أمر مخالف لطبيعة التعدد الذي هو رخصة مباحة في الإسلام، فطبيعة المرأة أنها لا تريد شريكا في زوجها حتى لو كان هذا الشريك مهتم بالعلم أو ببعض شؤون الحياة، فما بالنا إذا أراد الزوج أن يتزوج بأخرى؟!». ويعتبر دسوقي أن تقنين التعدد بالقانون قلب للأوضاع، ولا يحقق للرجل ولا للمرأة استقرارا، وقد يفتح بابا لمحاولة الزواج السري والعرفي...». ويوضح أن اشتراط إذن الزوجة للزواج بأخرى في العقد شرط مخالف غير صحيح؛ لأنه لا يوجد في الشريعة ما يؤيده، وإنما اشتراط علمها حق لها، ولها بعد ذلك أن تقرر بإرادتها الاستمرار من عدمه..». ويشير إلى أن مسألة التعدد بحاجة لنشر الوعي الديني الصحيح عن مشروعية تعدد الزوجات، وبيان أن الأصل في الأسرة المسلمة هو الزوجة الواحدة، وأن التعدد لا بد أن يكون مسوغا بضرورة معينة، ومشروطا بشروطه التي حددها القرآن من العدل والقدرة. ويستطرد: «إن القضية في جوهرها قضية جهل بالتشريع، ومن جهل شيئا عاداه، والقانون إذا حاول أن يقيد التعدد بجعل أخذ رأي الزوجة وموافقتها شرطًا لن يعالج المشكلة، والأولى أن يعالج دعاة القانون الجهل بالشريعة وأحكامها، وبذلك يمكنهم أن يصلوا لنتيجة عملية ليصبح التعدد في إطاره المشروع، خاصة أن ظاهرة التعدد تراجعت كثيرا لأن ظروف الحياة لا تتيح الفرصة له». وبالمخالفة لما طرحه دسوقي في رفضه لاشتراط إذن الزوجة في العقد يقول الشيخ عبدالحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا:«للزوجة أن تجعل عدم الزواج بأخرى شرطًا في عقد زواجها، بحيث يصبح لها الحق في الطلاق إذا تزوج زوجها..». إلا أن الأطرش يرفض بشدة أي تقييد قانوني لتعدد الزوجات أو منعه، مؤكدا أنهما كان يحق لأحد أن يقيد أمرا شرعه الله عز وجل، حيث إن القرآن لم يقيد عدد الزوجات بواحدة وإنما قال: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}، وقال بعد ذلك: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً». قانون موحد للزواج وبمحاولة تحليلية تكشف د. سعاد صالح أستاذة الفقه بجامعة الأزهر عن أن «التعديل المطلوب غرضه أن يكون هناك قانون أحوال شخصية موحدا للمسلمين والمسيحيين في مصر، مع وجود العديد من الاختلافات الشرعية في هذا الأمر...». وتؤكد «أن المطالبة باشتراط إذن الزوجة مخالفة شرعية؛ لأنه تقييد لما أباحه الله من غير ضرورة معتبَرَة شرعا، فليس من حق الزوجة الموافقة على الزواج الثاني، ولكن يمكن أن تشترط لنفسها أن تطلّق إن تزوج زوجها بأخرى...». وتوضح «أن الآية القرآنية التي أباحت التعدد ذكرت القيود التي تقيد الإباحة، وهي العدل بين الزوجات، مع توسيع دائرة العدل بحيث لا يظلم الإنسان نفسه في ظل إمكانياته النفسية المحدودة». وترى د. سعاد «أن تقييد الزواج بأخرى بإذن الزوجة قد يفتح مفاسد كثيرة، لا سيما من كانت زوجته مريضة مثلا»، مؤكدة «أن إغلاق باب الحلال يفتح بابا للحرام». كما ترفض اشتراط البعض في الزوجة الثانية أن تكون أرملة أو مطلقة ـ بناءًً على مطالبات بعض الجمعيات النسائية ـ على اعتبار أن الله تعالى قال: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} ولم يشترط أن تكون أرملة. ضوابط تنظيمية أما د. محمد الشحات الجندي الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعضو مجمع البحوث الإسلامية فيرى أنه لا مانع من أن تكون هناك ضوابط قانونية تنظيمية لمسألة الزواج بأخرى، إلا أنه يرفض أن يوضع شرط عام في وثائق الزواج بجعل التعدد بإذن الزوجة. ويقترح الجندي أن يكون التعدد من مسؤولية القضاء بحيث يحصل الزوج على إذن من القضاء بالموافقة على زواجه الثاني، حيث إن القضاء قد يجد للزواج الثاني ما يبرره، على أن يقوم القاضي بفحص وسماع وجهة نظر الطرفين كي يتسنى له الوقوف على الحقيقة. ويشير إلى أن»تقييد التعدد لا يترتب عليه بالضرورة حرمان الزوج منه، غاية الأمر أنه يضع ضوابط على قيام هذا التعدد حتى لا يساء استخدامه، أماالتقييد العام فهو مرفوض...». ويشدد قائلا: «كل حالة في الزواج بأخرى لابد أن تنظرأمام القضاء، للتأكد من أن الزوج على حق في الزواج بأخرى.. لكن أن يوضع في الوثيقة شرط عام على الجميع بألا يتزوج الرجل بأخرى إلا بإذن زوجته فهذا لا يجوز، وإن كان ينبغي أن يتاح للزوجة اشتراط طلب الطلاق عند الزواج بأخرى في وثيقة الزواج».