كان أحمد في طليعة الطلاب المتفوقين دراسياً، في علم النفس، ونال درجة البكالوريوس وعاد إلى وطنه، وهو يحمل أحلام المستقبل الزاهر، وما أن هبط في المطار وفي قاعة الانتظار، امتدت إليه أكف والديه تستقبله بالأحضان، والتف حوله الأهل والأصدقاء بالأفراح والتهنئة على النجاح، وبات في منزله ليلته، وكله أحاسيس بغد مشرق في الأعمال، لكن لم يكن ما حدث في الحسبان، فقد خابت كل الآمال، حتى الأعمال البسيطة التي يشغلها العمال لم يكن له فيها إلا الحرمان. واستمر الحال سنتين، دون أن يحالفه الحظ في أي عمل من الأعمال فأصابه الإحباط، وتمكن منه اليأس، وابتعد عنه الأخوان، وهجر الأصدقاء، ولم يساير الشبان، وارتمى على سريره ليل نهار، وكم عاتبه والده وسحب وسادته من تحت رأسه لكنه يتوسد اليدين وينام، وجاءت أمه وأقسمت عليه، أن يصول ويجول في أرض الله الواسعة ولو كان الرزق في أعالي الجبال، أو في أسفل الأرض من تحت الصخور والكثبان ولا يفسد ذهنه بالقنوط والعصيان وهو في أوج شبابه وقواه. تنبه أحمد المهموم، وساح في الأرض كأنه الطير المسموم، وهو يرتكز بأقوال الشاعر فيقول: ومن الحظ لو غسلت ثيابي في حزيران كان يوماً مطيرا لكنه صادف في طريقه عمالاً، ينظفون المجاري في مياه راكدة تنبعث منها روائح نتنة واقترب إليهم وسمع احدهم يقول، وقد أنهكه التعب، وتصبب منه العرق (حمل الزبالة على الرأس ولا الحاجة إلى الناس)، تعجب أحمد من هذا القول البليغ، وكأنه يحثه على العمل بعزم وإصرار شديد، وسمع آخر يقول (ومن لا يحب صعود الجبال ... يعش ابد الدهر بين الحفر) ثم عقب العامل على قوله بقول آخر (لم أجتهد فأخفقت في الامتحان فموقعي في الحفر تحت هذه المجاري)، وسمع شاباً يعمل في المجاري يرد على زميله في العمل فيقول: (أنا نجحت في الامتحان وها انا ذا في الحفر فما ذنبي؟) ثم أنشد قائلاً: يرفع الله حظوظاً ... بعد أن كانت زبالا من له في الكون حظ ... لا يمت حتى يناله ففهم أحمد أن هذا العامل هو حاضراً يعمل في الزبالة وقد كان ناجحاً في الدراسة لكنه متفائل بأن الحظ سيحالفه عاجلاً أم آجلاً في حياته. قال أحمد وقد أخذه الاستغراب إن هؤلاء العمال هم أسوأ حالاً مني، لكنهم لم يصبهم الإحباط ولا اليأس وصبروا، وقال يخاطب نفسه (أما أنا فخريج علم النفس أريد أن أعالج الناس نفسياً وأنا المريض، وكان الأولى أن أعالج نفسي، لأن الإحباط واليأس مرض نفسي، وهو متأصل في نفسي، فكيف الوصول إلى النجاح وأنا المريض فيصدق القول: (عندي دوا الناس ما عندي دوا روحي) أخذ احمد يسير على حافة نهر المجاري فوجد العجب العجاب، كاد عقله ولبه يزول فأحد العمال في المجاري يحوم ويضرب برجليه على الزبالة فترتفع في وجوه العمال الآخرين وتوسخ ثيابهم بالنجاسة لكنهم لا يعترضون عليه ثم بعد ذلك يحني ظهره إلى الأرض فينبش التراب المخلوط بالزبالة وهو يرتكز ويقول: من يداويني، ويشفي علتي؟ قال أحمد يا الهي ما هذا الذي اسمعه وأراه وهذا العامل يصور فاجعة، حلت به وهو يضرب برجليه الزبالة وينبش بيديه التراب، ما مشكلته، لماذا لم يعمل لماذا وجد في هذا المكان، لماذا لا يعترض عليه العمال، وقد غطى وجوههم بالأقذار وتوسخت ثيابهم بما فعل، قرب إلى خندق المجاري فناداه (يا حاج ماذا حل بك، ما هي مشكلتك، أجبني وأنا أساعدك) لكنه لا يجيب سأل العمال الذين كانوا معه ماذا حدث لهذا الرجل ولماذا يضرب برجليه الزبالة وينبش الأرض بيديه؟ لكنهم لم يجيبوا وكل عامل طأطأ رأسه إلى الأرض فقلت في نفسي: الدنيا عجائب وغرائب وكل الناس مبتلون في هذه الحياة، هل هو مجنون، هل انه لا يسمع أو حل به مكروه؟ لكنهم لا يجيبون. فقال لهم مخادعاً: أنا مرسل من الوزارة لأحقق في أمر هذا الرجل فتنبه الجميع وأصدقوه وقالوا: هذا الرجل مصاب بحالة نفسية قبل ثلاثة أيام بسبب انه استلم راتبه، بعدها سقطت منه محفظة نقوده في المجاري وهو لا يملك شيئاً ولم نبلغ عنه خوفاً من فصله فهو يضرب برجليه يعتقد أن المحفظة في كل بقعة وصلت إليه حتى يلتقطها وينبش التراب على أمل أن يحصل على نقوده لكن دون جدوى، فهم الغاية وكتب عنه بحثاً تناول فيه أسباب المرض وكيفية العلاج وقدمه إلى مستشفى الطب النفسي فجاء وفد على الطبيعة وعاين الحال وكتب توصية بإحالته إلى مستشفى الطب النفسي لعلاجه ثم سألوه عن عمله؟ قال لهم: (عاطل لا أعمل وأنا متخصص في علم النفس)، فأوصوا بتوظيفه فاستبشر بخير، وزال اليأس منه، وعن الرجل المريض فقد نشرت الجرائد الخبر، ودعت إلى مساعدته لمداواته وشفاء علته. المحامي / عبدالله محمد الفردان