الأيام

الاغتصــــاب أحكـــام وآثــــار

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 7956 الجمعة 21 يناير 2011 الموافق 17 صفر 1432هـ

بقلم - د. هاني بن عبدالله الجبير إن الاغتصاب هو الإكراه على الزنا واللواط، والزنا هو كل وطء وقع على غير نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين. والزنا حرام من المحرمات الظاهرة المعلومة بالضرورة. قال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً». وفي الزنا من الشرور والمفاسد الشيء الكثير، ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمة عياله ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت ومنها ظلمة القلب وطمس نوره.. ومنها ضيق الصدر وحرجه «، ويزيد الاغتصاب أنّه إكراهٌ على ممارسة الزِّنا فهو أشد حرمةً من مجرد الزنا. وعن ابن عباس أن رسول الله «ص» قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وقد روي أن امرأةً استكرهت على عهد رسول الله «ص» فدرأ عنها الحد. وروي عن عمر بن الخطاب أن امرأةً استسقت راعياً فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت فرفع ذلك إلى عمر فقال لعلي: ما ترى فيها قال إنها مضطرة فأعطاها عمر شيئاً وتركها، وهذا لا إشكال فيه، لكن اختلف أهل العلم هل يُكْرَه الرجل على الزنا أم لا على قولين: القول الأوّل: أنه لا يمكن إكراهه فإذا أُكره فزنى حُدَّ على زناه وهو مذهب أبي حنيفة والحنابلة. القول الثاني: أنه يمكن إكراهه فإذا أُكره فزنى دُرِىء عنه الحد وهو مذهب الشافعيّة، واستدل أصحاب القول الأول بأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار والإكراه ينافيه. فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه فيلزمه الحد. واستدل أصحاب القول الثاني بعموم النصوص الواردة في رفع الحرج عن المكره، وبأنه لا فرق بين الرجل والمرأة فإذا لم يجب عليها الحد لم يجب عليه أيضاً، ولأن الانتشار قد يكون لفحولة الشخص أكثر مما يكون دليلاً على الطواعية، ولعل الأقرب من هذين القولين أن من أكره على الزنا يدرأ عنه الحد إعمالاً لقاعدة درء الحد بالشبهة. بم يحصل الإكراه لا خلاف أن إكراه المرأة على الزنا إذا كان إكراهاً ملجاً أنها غير مؤاخذة، كما لو أضجعت المرأة وفعل بها الزنا قهراً. لأنها والحال ما ذكرغير مكلَّفة ولا إرادة لها، واختلف أهل العلم فيما لو أُكرهت المرأة – أو الغلام – على الزنا بالتهديد بالقتل ومنع الطّعام والضرب ونحو ذلك هل يكون إكراهاً أم لا. وسبب الخلاف أن هذا المكره يستطيع الفعل والامتناع فهو مختار للفعل ولكن ليس غرضه نفس الفعل وإنما مراده دفع الضرر عن نفسه. وذكر بعض أهل العلم شروطاً للإكراه منها: أن يكون الإكراه من قادر بسلطان أو تغلب، أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به، والعجز عن دفعه والهرب منه، أن يكون مما يلحق الضرر به. والذي يظهر لي أن الله تعالى رفع المؤاخذة عن المكره والإكراه خلاف الرضا والمحبَّة، وهو حمل إنسان على عملٍ أو ترك بغير رضاه بحيث لو ترك بدون إكراه لما قام به، ومعلوم أن الناس يتفاوتون في ما يحملهم على العمل أو الترك فمنهم من يغلب عليه الخوف والضعف فأدنى الأمور تحمله على ما يحب ومنهم ذو البأس الذي لا يحمله على الفعل إلا كثير الإكراه. والشرع بحمد الله لا يساوي بين مختلفات ولا يفرق بين متماثلات فتحديد مناط الإكراه يختلف باختلاف الناس فما رأوه إكراهاً فهو كذلك، وأمّا عند الحكم فإنه يعمل بدلالة الحال ؛ إذ دلالة الأحوال يختلف بها دلالة الأقوال في قبول دعوى ما يوافقها ورد ما يخالفها. عقوبة المغتصب من اختطف امرأةً مكابرةً فهو محارب لله، وممن يسعى في الأرض بالفساد وهو مشمول بقوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ». وهذا هو ما تضمنه قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ومما جاء فيه: « إن جرائم الخطف والسطو لانتهاك حرمات المسلمين على سبيل المكابرة والمجاهرة من ضروب المحاربة والسعي في الأرض فساداً المستحقة للعقاب الذي ذكره الله سبحانه في آية المائدة سواء وقع ذلك على النفس أو المال أو العرض ولا فرق في ذلك بين وقوعه في المدن والقرى أو الصحارى والقفار كما هو الراجح من آراء العلماء. اما إجهاض الحامل عن طريق الاغتصاب فلا يخلو الإجهاض إما أن يكون قبل نفخ الروح أو بعد نفخ الروح، ونفخ الروح يكون بعد مرور مائة وعشرين يوماً. واتفق الفقهاء على تحريم اسقاط الجنين بعد مرور أربعة أشهر على تكوينه في بطن أمّه، حيث ينفخ فيه الروح وبذلك يصير نفساً آدميَّة وإسقاطها قتلٌ بلا خلاف. ويستوي عند الفقهاء ما إذا كان في بقاء الجنين خطرا على الأم أو لا، وذلك أن قتل النفس المحرمة لا يجوز بحال قال تعالى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}، ولا يجوز التضحية بنفس معصومة لإنقاذ نفس أُخرى، كما لا يحل لمن أصابته مخمصة أن يقتل آدميّاً ويأكله لينقذ نفسه من الهلاك إذ ليست احدى النفسين أولى بالحياة من الأخرى، لكن اختارت اللجنة العلمية للموسوعة الفقهيَّة التي تصدرها وزارة الأوقاف بالكويت جواز إسقاط الجنين وإن نفخ فيه الروح إذا كان ذلك هو السبيل الوحيد لإنقاذ أمه من هلاك محقق، وقالت: «الحفاظ على حياة الام إذا كان في بقاء الجنين في بطنها خطرا عليها، أولى بالاعتبار لأنّها الأصل وحياتها ثابتة بيقين»، وبهذا الاختيار أفتت هيئة كبار العلماء حيث تضمن: « بعد إكمال أربعة أشهر للحمل لا يحل إسقاطه حتى يقرر جمع من المختصين الموثوقين أن بقاء الجنين في بطن أمّه يسبب موتها وذلك بعد استنفاد كافّة الوسائل لإنقاذ حياته «. ولم يتعرَّض الفقهاء المتقدمون رحمهم الله لهذه المسألة بخصوصها ولعل ذلك لعدم تفريقهم بين الحمل من سفاح وغيره، ولا يخلو الحمل من سفاح إما أن يكون برضى الطرفين أو نتيجة اغتصاب. وقد ذهب بعض المتأخرين إلى جواز إجهاض الحمل قبل نفخ الروح إذا كان الحمل ناشئاً عن زنا سواء كان الزنا بالتراضي أولاً. قال الرملي: «لو كانت النطفة من زنا فقد يتخيّل الجواز فلو تركت حتى نفخ الروح فلا شك في التحريم «. ومنع ذلك بعض الباحثين استدلالاً بقصّة الغامديَّة حينما جاءت إلى النبي «ص» واعترفت بالزنا وأبلغته بحملها فقال: «أما لا فاذهبي حتى تلدي». ووجه الاستدلال أن النبي «ص» أخّر إقامة الحد على المرأة وإقامته واجبة حفاظاً على حياة الجنين ومع أن أمه قد وقعت في الزنا المحرم، وعدم استفصال النبي «ص» عن عمر الجنين يدل على حرمة إسقاطه مطلقاً. وعند محاولة الوصل لرأي مختار في هذه المسألة وحيث إن إباحة إجهاض الحمل الناشئ عن زنا يترتب عليه انتشار الفاحشة وشيوعها وسهولة الوصول إليها وهو مؤدي إلى تقليص الحياة الزوجية وانتشار الأمراض الفتاكة، وحيث إن جمهور أهل العلم يمنعون من إجهاض الحمل الشرعي الناشئ من نكاح صحيح ولو تراضى الزوجان على ذلك، وحيث إن الحمل في مدة الأربعين يغلب عليه وصف النطفة وهي في الأصل نطفة غير محترمة لكونها من زنا مع أن النطفة يجوز إلقاؤها بالعزل. وحيث أجازت هيئة كبار العلماء إسقاط الحمل في هذه المرحلة لمصلحة شرعيّة أو دفعاً لضرر متوقع، لذا فإنَّ الظاهر لي جواز إسقاط الحمل في الطور الأول من الحمل قبل مرور أربعين يوماً وتحريمه بعد ذلك، إذا كان ظاهر حال المرأة أنها ليست ممن اعتاد الفجور والفساد أما من اعتادت عليه فإنه يتجه القول بالتحريم مطلقاً لها إعمالاً لقاعدة المعاملة بنقيض القصد وسداً لذريعة الفساد. وليس في إجهاض الحمل الناشئ عن الاغتصاب نقل للفقهاء المتقدمين أو المتأخرين فيما وقفت عليه من مراجع. وأما المعاصرون فإن فتاواهم تتضافر على جواز إجهاض هذا الحمل قبل مرور مائة وعشرين يوماً وتحريمه بعدها لكونه قد نفخ فيه الروح. ففي فتوى مفتي مصر ما يلي: « لا مانع شرعاً من تفريغ ما في أحشاء أنثى من نطفة نتيجة الاختطاف والإكراه على المواقعة بشرط أن لا يكون قد مرَّ على هذا الحمل مائة وعشرين يوماً، لأنه لا يحل في هذه الحالة إسقاط الجنين لكونه أصبح نفساً ذات روح يجب المحافظة عليها». وقد وجدنا أن من الفقهاء من أباح الإجهاض لعذر كما لو انقطع لبن الأم وليس لأب الصبي ما يستأجر به الظئر ويخاف هلاكه.

كلمات مفتاحية
Show more