بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم وجل همه بعد جمع الناس على توحيد ربنا عز وجل الحفاظ على أحاسيس الناس وشعورهم، ذلك أن كل أمر يرجع إلى ألم المسلم وغمه من شأن المؤمنين ولا ديدنهم، فالمسلم الحقيقي من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومن ذلك حرصه صلى الله عليه وسلم على مراعاة شعور المسلم حال التناجي -إن كان لا بد منه لصالح الحياة وضرورياتها-، حتى يستقيم الحال، وتستريح النفوس، ويسلم المسلم من سوء الظن بأخيه، ويأمن من ألقيات الشيطان وأحاديث النفس.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث». البخاري، ومسلم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس؛ من أجل ذلك أن ذلك يحزنه». البخاري ومسلم.
أصل التناجي في اللغة
نجا الرجل أخاه نجوًا ونجوى: سارَّه، والنجوى، والنَّجيُّ: السر، يقال: نجوته نجوًا أي: ساررته، وكذلك ناجيته. والاسم: النجوى، وانتجى القوم وتناجوا: تسارُّوا. قال أبو إسحاق: معنى النجوى في الكلام ما ينفرد به الجماعة والاثنان، سرًا كان أو ظاهرًا.. وقال أبو عمر بن عبد البر: التناجي: التسار، وذلك مكالمة الرجل أخاه عند أذنه بما يسره من غيره.
الشرح والتحليل
في هذين الحديثين يبين صلى الله عليه وسلم الحكمة من النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بقوله: «من أجل أن ذلك يحزنه» قال القرطبي: وفيه- أي الحديث- أيضًا التنبيه على التعليل بقوله: «من أجل أن ذلك يحزنه» أي: يقع في نفسه ما يحزن لأجله، وذلك بأن يقدر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنه لم يروه أهلاً ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من ألقيات الشيطان وأحاديث النفس، وحصل ذلك كله من بقائه وحده، فإذا كان معه غيره أمن ذلك.
الحكم الشرعي للتناجي
تناجي الرجلين دون إذن الثالث، وفي حالة عدم وجود جماعة، حرام نهى عنه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
قال النووي: وفي هذه الأحاديث النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث، وكذا ثلاثة وأكثر بحضرة واحد، وهو نهي تحريم، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن. وقال المناوي: والنهي للتحريم عند الجمهور، فيحرم تناجي اثنين دون الثالث، أي: بغير إذنه إلا لحاجة. واختلف أهل العلم في هذا النهي هل هو عام في كل الأزمان أم خاص بالسفر؟ الظاهر -والله أعلم- أنه لا فرق بين أن يكون ذلك في السفر أو الحضر، وهذا هو الذي رجحه الجمهور. قال النووي: ومذهب ابن عمر رضي الله عنهما، ومالك وأصحابنا، وجماهير العلماء، أن النهي عام في كل الأزمان وفي الحضر والسفر. وقال ابن العربي: الخبر عام اللفظ والمعنى، والعلة الحزن، وهي موجودة في السفر والحضر، فوجب أن يعمهما النهي جميعًا.
آداب التناجي
للتناجي -إن كان لا بد منه- آداب جليلة، يجب مراعاتها، والتحلي بها، لتظل الروابط بين المسلمين قوية متينة، محكومة بأصول من الذوق الجميل والأدب الرفيع، من هذه الآداب:
1. أن يكون التناجي في طاعة الله ورضاه، لا في معصيته وسخطه.
ولقد ذم الله المنافقين حين تناجوا بالإثم ومعصية الرسول، وكان ذلك يغيظ المؤمنين ويكبر عليهم، فقال الحق عز وجل: «ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير» المجادلة: 8.
ثم عمم الله عز وجل الحكم فأدخل أهل الإيمان في النهي، فقال: «يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون» المجادلة: 9. قال القرطبي: نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود، فقال: «يا أيها الذين إذا تناجيتم» أي: تساررتم: «فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر» أي: بالطاعة والتقوى بالعفاف عما نهى الله عنه.