الأيام

كلما دخلت مطاراً عربياً سألني الموظفون «أين الحلوى؟»

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 8873 الجمعة 26 يوليو 2013 الموافق 17 رمضان 1434

إن كانت الاهرامات رمزا لمصر، وبرج إيفل رمزا لفرنسا، فإن حلوى شويطر ودون أدنى شك هي رمز للمحرق. وضيفنا لهذا الأسبوع الوجيه فؤاد شويطر رئيس مجلس إدارة مؤسسة فؤاد حسين شويطر، وملك الحلوى في البحرين والخليج والمنطقة دون منازع. وسنتعرف خلال هذه الحلقة على البيئة التي ترعرع فيها فؤاد شويطر، وجو «الفريج» المتآلف الذي عاش فيه بمدينة المحرق، والجو الدراسي المليء بالمشاغبات الطفولية، وكيف استطاع والده أن يورثه شغف ممارسة مهنة التربع على عرش الحلوى التقلدية، حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم، وصارت حلوى «شويطر» أول اسم يتبادر للذهن حين تذكر الحلوى التقلدية البحرينية. ولد فؤاد شويطر في سبتمبر 1958 والده حسين محمد شويطر (مواليد 1912). وبدأت العائلة حياتها المهنية مع الغوص، ثم اتجهوا إلى صناعة الحلوى، والتي عرفوها عبر أصدقاء لهم من العراق في العام 1850، وأصبحوا يمارسون صناعة الحلوى في فصل الشتاء، ويتجهون إلى الغوص خلال فصل الصيف، وحين وجدوا الإقبال الكبير على الحلوى ومكسبها الوفير تفننوا في صناعة الحلوى حتى صارت «شويطر» رمزا للحلوى في البحرين والخليج وارتبطت بالتراث البحريني. يقول فؤاد شويطر لـ «الأيام» توفي والد والدي حسين محمد حسين شويطر حين كان عمر والدي 12 عاما، وقبله توفيت والدته. وتربى على يد عمه راشد شويطر ودرسه القرآن الكريم، وزوجه ابنته وأخذه معه إلى الغوص وهو صغير، وعلمه مهنة صناعة الحلوى، وسعى جاهداً أن يؤمن عبر هذه الصناعة حياته ومستقبل أبنائه، وما نحن عليه اليوم يعود فضله لله سبحانه وتعالى ومن ثم اليه. ترعرت في كنف عائلة تمتهن صناعة الحلوى ولها باع طويل في هذا المجال، تدرجت في المهنة وتطورت عاماً بعد عام، حيث كانت أمي تساعد والدي في صناعة الحلوى في المنزل في «التنور»، واتذكر جيداً كيف كن النساء تعدن الحلوى «أول ما وعيت على الدنيا». منطقة أهل الفن ولشدة التلاحم والترابط والتآلف بين عائلات حي البنائين فإنك يمكن أن تختصر هذه العلاقة الفريدة بينهم بعبارة واحدة «الفريج كلهم أخوة بالرضاعة»، حتى ان كثيرا من الشباب يتفاجؤون حين يرغبون في الزواج أن أغلب بنات الحي شقيقاتهم بالرضاعة! يبين فؤاد شويطر كانت الحياة جميلة جداً، والأبواب مفتوحة تماماً كقلوب الناس، ومازالت إلى اليوم، رغم التطور الحاصل، نكمل بعضنا البعض، ونتعايش بقلب واحد وايمان واحد بالله. ويذكر شويطر وجود الجاليات العربية والأجنبية المنتمية لديانات مختلفة تسكن المنطقة وقدمت خدمات جليلة خدمت بها البحرين، فيوضح ان «القابلة أم جان تركية مسيحية، كانت لها مكانة خاصة لدى أهل المحرق وكانت تدخل منازلنا وتعيش حياتها بصورة طبيعة ولم يشعرها الأهالي يوماً بأنها مختلفة عنهم، فكانت معاملتهم لها كإنسان بغض النظر عن دينها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى بائع الذهب راتيلان المنتمي لديانة «البانيان» والطبيب بندر كار، بل ان أكثرهم جلب عائلته وعاش في البحرين الى حين توفاه الله. وعن جنوب حينا يقع «فريج» المعادوة، وفي الشرق «فريج» البنعلي، وفي الغرب يقع «فريج» الجلاهمة. حيث يحاط الحي بالعائلات البحرينية العريقة، من مختلف المذاهب والأديان والتيارات الدينية، والجميع يحترم الآخر. ويطلق على المنطقة التي نسكنها منطقة أهل الفن حيث يقطنها النحاتون المتمرسون في فن البناء، وعائلة عريفي الرسامون والفنانون، وأمنا آمنة شويطر كانت ولادة وطبيبة المنطقة متمرسة في الطب الشعبي، وتسكن المنطقة أيضاً مغنية المناسبات والأعراس المرحومة خميسة بنت ريحان بالاضافة الى صناعة الحلوى. ومن بين العائلات التي تقطن معنا في الحي عائلة محمد وحمد المعاودة، وعائلة الفنان المرحوم أحمد، وعائلة البناء وعائلة الجلاهمة وغيرها الكثير. وتتكون عائلة فؤاد من ست شقيقات وشقيق واحد اسمه محمد. ودرس فؤاد على يد المطوع بوعلي والمطوعة والدة الشيخ راشد. ويقول شويطر، كنت كثير الحركة في «المطوع» ولم أكن أترك زملائي وزميلاتي يدرسون، ولهذا السبب لم أواصل تعليمي في «المطوع». التجهيز إلى «القرقاعون» وفي جانب آخر يقول فؤاد، يتجمع صبية الحي منذ بداية شهر رمضان المبارك ويعدون عدة «القرقاعون» بجمع أكياس «السميت وقواطي النشا» لإعداد الطبول كما نعد «الفريسة والجاري»، ونلف على «الفرجان» والجيران مرددين أغان شعبية جميلة مرتدين الملابس الجديدة، وهذه الأجواء الفريدة تشعرنا بأن «القرقاعون» لشدة السعادة والفرح الذي يغمرنا فيه كأنه عيد. وعادة ما يتم توزيع «القرقاعون» المكسرات و«الكسكبال»، والنقود من منازل التجار، وكنت أحصل في مرحلة الطفولة بليلة القرقاعون على مبلغ يقارب 200 فلس، وهو مبلغ كبير بالنسبة إلى تلك الفترة. الدراسة خارج الفصل تلقى فؤاد شويطر تعليمه في مدرسة الوسطى الابتدائية للبنين، والتي تحول اسمها لاحقاً إلى مدرسة أبوعبيدة، وتعاقب على إدارتها الأستاذ محمد البهبهاني، والأستاذ مبارك بن دينة، والأستاذ أحمد فخرو. وكان من بين الأساتذة الذين تلقى التعليم على يدهم في هذه المدرسة الأستاذ عبدالرحمن غربان «علوم»، الأستاذ غانم السليطي «عربي»، الأستاذ أحمد فخرو «حساب»، الأستاذ محمد السيد «اجتماعيات»، الأستاذ فاروق «لغة انجليزية» والذي يعمل حالياً في محافظة الوسطى. أما من بين الطلبة الذي كانوا معه في الدراسة وتنقلوا معه إلى المراحل الدراسية اللاحقة فهم كمال بوكمال، الشيخ خالد ال خليفة، الشيخ عدنان القطان المعاودة ، يوسف فليفل، خالد المعاودة. يبين شويطر ان الدراسة كانت جميلة جداً في المدرسة، وكان المدرسون غالباً ما يعطونا الدرس خارج الفصل، فاحياناً ياخذوننا في مزرعة المدرسة أو تحت ظل شجرة أو حتى في «حوش» المدرسة، وفي حصة الرياضة ولقرب المدرسة من البحر، كان يأخذنا الأستاذ عبدالرحمن الشوملي -المحامي المعروف اليوم- إلى البحر لتعلم السباحة، مما حببني إلى اليوم في السباحة حتى انني عادة ما أسافر إلى المناطق البحرية لممارسة هواية السباحة. ويضيف فؤاد كانوا يبيعون علينا في المقصف أثناء الفسحة المدرسية سبموسة خضرة وسمبوسة آلو والبيبسي وسندويش جبن وفلفل، وكل هذا بمبلغ «نص ربية»، أي 50 فلسا بعملة اليوم. كانوا يعملون لنا جمعية في المقصف بداية العام وكل طالب يضع مبلغا معينا، وفي آخر العام يسلموننا المبلغ، ولكوني من عائلة مقتدرة فانني أضع مبلغا جيدا بالنسبة لذلك الوقت، فانني في آخر العام أحصل على مبلغ كبير بالنسبة لي في ذلك الوقت، اتذكر في إحدى المرات حصلت على دينار و200 وخمسين فلسا واشتريت بها كرة وحذاء رياضة وأشياء أخرى، وكان سعر الحذاء 300 فلس ومن أفضل أنواع الأحذية، ولكنك اليوم تكاد لا تجد حذاء رياضيا بسعر 3 دنانير! وفي المرحلة الإعدادية درست في مدرسة عبدالرحمن الناصر وكان مديرها آنذاك الأستاذ راشد بن دينة، وكان من بين الاستاذة الذين تتلمذت على يدهم في هذه المدرسة الأستاذ جاسم الحسن، الأستاذ محمد الضاعن، الأستاذ علي الفحل، الأستاذ طه حسين، الأستاذ خليفة الشوملي، الأستاذ عبدالرحمن الشوملي، وآخرون. وفي المرحلة الثانوية درس فؤاد في مدرسة الهداية الخليفية وكان الاستاذة فيها أكثرهم من العرب ومن بينهم الأستاذ جبريل فلسطيني «انجليزي»، الأستاذ محمد العيد والذي صار مديرا للمدرسة لاحقاً والأستاذ شناف «حساب». وكان شويطر يشارك في النشاطات المدرسية بصورة دائمة، خصوصا حملات تنظيف المدرسة، وكان منظما إلى نادي شط العرب في الحي، وفي إحدى المرات تأذى خلال اللعب في سن 12، وترك لعب الكرة. تحية وتقدير للمعلمين ويذكر فؤاد حادثا مضحكا تعرض له في المرحلة الثانوية وهو أن أحد المدرسين تعمد حرق حديقة المدرسة، وأخبرني قائلا سأقوم بحرق المدرسة وسأخبرهم بأنك من فعل هذا، ولم أنتبه إلا والنيران تشتعل في المدرسة وجلبت الإدارة الإطفاء، وحققت الإدارة في الأمر وأخبرتهم بالحقيقة وأذكر أنهم صدقوني، وإلى الآن حين ألتقي بالمدرس يضحك كلما تذكرنا الحادث، وحين اساله عن سبب ما فعل يقول انه لا يتذكر. ويؤكد شويطر كانت للمعلم حينها هيبة واحترام وكلمته مسموعة، وحين كنت اشاهد أستاذتي بالحي في الفترة المسائية، كنت «أشرد»، مخافة أن يقول بانني أجلس في «السكة» بدلاً من أن أقوم بالمذاكرة للمدرسة. كما ان للمدرسين الذين تعاقبوا على تعليمي فضلا كبيرا على حياتي الخاصة والمهنية اليوم، واتمنى عبر هذا المنبر أن أتوجه لهم برسالة تحية واحترام واتمنى أن يسامحوني لو كنت قد اذيت أحدهم بمشاغبتي الطفولية. الاتجاه إلى الحلوى بعد الدراسة تخرج فؤاد من المدرسة في العام 1976، غير انه رفض مواصلة الدراسة الجامعية، بالرغم من أن شقيقه كان يدرس في العراق تخصص الحقوق. وفضل فؤاد الاتجاه إلى العمل ولازم أباه في عمله. ويقول شويطر، عاملني والدي كموظف ودرجني في المسمى الوظيفي، رغبة منه أن أتعلم المهنة من أساسياتها، ففي البداية جعلني أوصل الحلوى من المحرق الى المنامة والعكس عبر سيارة المعمل، ثم جعلني أصنع الحلوى، والتي كانت آنذاك تتكون من الزعفران والنشا والسكر والطيب والماء، وكان سعر كيلو الحلوى دينارا واحدا، وكان لها مذاق خاص مميز، وتستغرق صناعتها قرابة الساعة والنصف، فيما يستغرق صناعة الحلوى اليوم 20 دقيقة، للتطور التكنولوجي الحاصل. وأضيفت على الحلوى اليوم المكسرات وأنواع من الفواكة مثل التين، المشمش والرمان، وكذلك حلوى الحليب، حلوى جوز الهند، وأدخلنا عليها صناعات أخرى للتنويع مثل البسكويت، الحلويات الأخرى، «السمبوسة»، المربى والرهش، ويصل سعر بعض أنواع الحلوى اليوم إلى 8 دنانير للكيلو. ويؤكد فؤاد شويطر أن الحلوى البحرينية صامدة إلى اليوم وهناك إقبال كبير عليها، بل انها توسعت، ووصلت شهرة حلوى شويطر لدرجة انني كلما دخلت أي مطار عربي يسألني الموظفون «أين الحلوى؟»، وتحولت إلى «صوغة» البحرين التي لا بد لكل سائح أن يأخذها إلى أهله وأحبائه حين يزور البحرين. ورغم دعوات فتح أفرع لشويطر في الدول العربية وفي العالم، إلا أن رغبة فؤاد في أن يرتبط اسم الحلوى بالبحرين، جعله يفضل عدم الاستجابة لهذه الدعوات رغم مربحها المادي. ويصل عدد أفرع حلويات حسين شويطر اليوم إلى 10 أفرع في مختلف مناطق البحرين. وأورث الوجية فؤاد شويطر عشق مزاولة مهنة صناعة الحلوى إلى ابنائه الأربعة «ولدين وبنتين - مهنا وحسين وفاطمة ومنيرة». ومسك ختام سيرة حياة فؤاد شويطر التي لم تتوقف عطاءاتها بعد، كانت تنويهه على تأكيد سمو رئيس الوزراء له خلال زياراته الدائمة له على ضرورة أن يربي فؤاد شويطر أولاده على هذه المهنة لتستمر في انتقالها للأجيال القادمة، وأن يضعها دوماً في عين الاعتبار. يقول فؤاد افخر بزيارات سمو رئيس الوزراء لي، وتهمني توجيهاته السديدة وأخذها بعين الاعتبار دائماً، وعائلة شويطر تفخر بقائد مثله محنك له فضل كبير في تقدم اقتصاد مملكة البحرين. ونحن بدورنا نتمنى المزيد من النجاحات والتوفيق إلى الوجيه فؤاد شويطر.

كلمات مفتاحية
Show more