في إطار التعاون المشترك الذي انتهجتهُ «أسرة الأدباء والكتاب»، لتعزيز التبادل الثقافي بين المؤسسات الأهلية والرسمية، وبالتعاون مع «ملتقى المحروس الثقافي»، أقيمت مساء الأحد (22 مايو) «قراءة نقدية في ديوان (دمٌ على حافة البياض) للشاعر الدكتور حسين السماهيجي»، بمشاركة الدكتور علي فرحان، والشاعر كريم رضي، والشاعر المؤلف.
وانطلقت الأمسية بورقة قدمها فرحان، أشار فيها إلى أن «أول ما يلفت في هذا العمل الفني المتميز العنوان (أولى عتبات النص) وهو نص ينفتح على نصوص وتناصات لا تنتهي»، مضيفاً «العنوان بمفرداته الأربع في واحة الغلاف الأمامية تقابلها عشر كلمات في الواجهة الخلفية حيث تختصر ألم الشعر ومعاناة الوطن ويفجر عدة قراءات ومجموعة تأويلات تتشكل على خريطة غلاف الديوان».
ويتابع فرحان قراءته، مبينًا «إن البياض لا يسود الحياة إلا بالدم المنهمر على حوافّه... إن النظر إلى الغلاف يجعل القارئ يستحضر قميص يوسف الذي جاء به أخوته لأبيهم يعقوب النبي (ع) بدم كذب، ورغم كذب هذا الدم إلا أنه يشهد على أشهر خيانة للأخوة في التاريخ، وليس الديوان ببعيد عن تجسيد هذه الخيانة في نزيفها وفي آلامها وعذاباتها وفي مروءة يوسفها».
ويبين فرحان بأن الشاعر السماهيجي، في فاتحة ديوانه «يبني البيوت ويسكن الغرف العلّية لكنّه يهدمها، ليعيد تشكيل الحياة من دم يقذفه على الورقاء فيرغب الجسد نجوما ليخلق من بين قصيدة وقصيدة فتى يبحث من خلف السديم عن ماء فتنته الظّليم، وتنطلق معاناة الشاعر من فراغ اليواقيت، إنه الفراغ القاتل إلى غياهب المعنى، وهكذا يبقى وحيدا، كوحدة النص وتفرده، ولكن نصه يتوّح على عرش القصيدة الذي يمنحه التفرد والجمال»، ويشير الدكتور فرحان إلى أن «القيروان رحلة الشاعر وداره والمكان الذي ارتبط به حينما كان يحضّر الدكتوراه، فالقيروان رابعة الثلاث (مكة والمدينة والقدس)، الامتداد التاريخي والحاضر الجديد، هي بوابة الفتح للعالم الإسلامي قديما وحديثا، هذا التناص يولّد في القصيدة هذا البعد المتواري خلف الرمز والتورية».
وحول لغة الشاعر يوضح الدكتور فرحان، بأنها لغة واقعية صوفية «مفردات كثيرة دالة على ذلك ومنها في قصيدة (أوقفت أنفاسي عليك)، وقصيدة (ميت بن نونين)، كم هناك حضور للخمرة في كثير من النصوص، ومنها (وصول الماء، سما تدور، عابد الصنم)» ليختتم مؤكدا أن الشاعر السماهيجي في هذا الديوان «ملتزم، يرى قيمة الكلمة فيما تحملها من رسالة».
من جانبه أشار الشاعر كريم رضي في ورقته لكون الكتابة فعل مقاومة، فـ «الكتابة لا يمكن لها أن تكون مقاومة إلا عبر كونها ما بعد حداثية، فالحداثة جاءت بالتنميط العقلي والإيديولوجي والثقة في المستقبل»، ويتابع «كانت الحداثة في بدايتها ثورية بما يكفي لتحطم معمارا كاملا من اللا عقلانية والخرافة. غير أن كل ثورة تحتاج إلى ثورة، وهنا وجد العالم نفسه بعد حربين عالميتين يطرح على نفسه سؤالا رهيبا، إلى أين تقودنا الحداثة؟ إلى أين يقودنا العقل المحض».
ويضيف رضي مبينًا «إن معركة القصيدة هي بشأن السيطرة على المادة لكي لا تفلت، ولكنها سيطرة ذكية حاذقة، إنها أشبه بسيطرة الصياد الذي يرخي عنان خيطه للصيد فتذهب هدية البحر بعيدا بعيدا حتى لتظن أنه قد نسيها فإذا به ينترها نترة تعلم أنه من سماهيج حيث راس رية وحيث حين تصحو السمكة وهنا أعني اللغة يكون الشاعر قد استعاد الزمام الذي تركه قاصدا لتتوهم اللغة أنها قدر لها أن تكتب ما تشاء لا ما يشاء، وإننا نجد عند السماهيجي بشكل عام سواء على صعيد نصوص دواوينه الستة أو على صعيد عناوينها (ما لم يقله أبوطاهر القرمطي)، (يترك لهم أثرا)، (دم على حافة البياض) مثالا، وتلك هي المفردات الأثيرة (البياض، الصوت، المحو، الإثبات، القصيدة، هندسة القواعد، الرقيم، الشذرات، الحروف، القصيد، سميتك، أسميتك، العروض، اللغات، الكتاب، أهجو، التآويل، الكلام، النص، الحبر، أوحيت، أغني، الألواح والورق) وحيث اللغة هنا تعبر عن الأسلوب وعن محاولة مساءلته ونقضه في آن لأنها لغة تتحدث عن اللغة أو في صميمها».
ويلخص رضي للتأكيد أن «السماهيجي شاعر صاحب مشروفع ولا يكتب كل ديوان بروح منفصلة عما سبقه من الدواوين، إن هذا المشروع برأينا يقوم في أهم عناصره على بناء النص الشعري على شكل قلعة محصنة مشغولة في المقام الأول ببناء ذاتها عبر صناعة لغوية وإيقاعية متأنية وذات نفس طويل جدا».