تحظى قصص وأفلام الرعب باهتمام متزايد من لدن جمهور واسع في كل بلدان العالم على اختلاف ثقافاتها وعاداتها، وإن جل هذا الاهتمام بنوع الرعب يتعلق باكتشاف المجهول، ولعل من أبرز خصائص أفلام الرعب المظاهر التقنية التي توظف في فنون السرد من عناصر تتصل بالإثارة والتشويق مردها الحاجة إلى ممارسة حالة التحقق لإثبات بعض الشكوك التي تفجرها الأحداث ومن ثم اكتشاف الحقائق أو الظواهر التي تدهش الجمهور وتستحوذ على انتباهه لضمان استغراقه في الشاشة، وغالبًا ما تكون هذه الاكتشافات احتفالية يمارسها العقل والتفكير، وهما أمران من طبيعة الإنسان حين يجد نفسه أمام مشكلات ما. ولذلك فإن الكثير من الاهتمام المستمر بقصص الرعب يتعلق باكتشاف المجهول.
إن غالبية قصص الرعب تمثل، إلى حد كبير، تمثلات لعمليات الاكتشاف المدهشة التي تحظى باهتمام المشاهد بالإضافة إلى عوامل أخرى تتعلق ببعض الفرضيات التي يطلقها الجمهور ضمن مشاركته في دراما القصة التي يستغرق في مشاهدتها. أن العنصر الأهم والرئيس في المسار السردي في معظم قصص الرعب هو التشويق باعتباره عامل الجذب الأقوى والأمثل في نوع الرعب، وأحد أهم ركائز العمل الدرامي، والتشويق في السرد من الممكن أن يحدث في معظم مراحل تطور الحبكة، أو أجزاءها أو حتى في مجملها، وفي الحبكة السردية ممكن أن ينطلق من حركة كأن تنطوي على سبيل المثال على واقعة تتعلق بضحية بريئة في مطاردة مثيرة للشك، مما يستدعي العديد من الأسئلة التي تقفز إلى ذهن المشاهد عن أسباب المطاردة وشخوصها وهنا تتولد لحظة حب الاكتشاف لدى المشاهدين الذين يصرون على معرفة ما يجري في هذا المشهد المثير للريبة والشكوك. وقد يحدث ذلك بينما تحيط الوحوش أو الشر الخفي باؤلئك الذين يناقشون وجودها إن كانت فعلا موجودة أم ثمة شك حول وجودها؟ مما يؤسس لقوام فكرة تنبني على تثوير أقصى طاقة صادمة لإثارة فزع المشاهد حين يؤخذ بالمفاجأة، في اللحظة التي تكون فيها الشخصيات قد استسلمت تمامًا للاستقرار والسلام، عندها ستكون المعارك والمواجهات ضارية ومشوقة لحد بعيد خصوصًا حين نجد أن مصير الأبطال معلق بها. كل هذا وغيره ممكن أن يحضر في هذه التجربة.
كثيرًا ما يلاحظ بأن دورات الرعب تظهر في أوقات زمنية وأزمات اجتماعية محددة، يكون التوتر فيهما انعكاسًا للظروف المريرة، فيتجلى كنوع من الوسائل التي يتم من خلالها التعبير عن قلق العصر أو مرحلة تأريخية بعينها، وهو نوع من الرعب القادر على دمج واستيعاب أنواع من الضيق والمخاوف الاجتماعية وتجسيدها بإيقونته الخاصة.
فلن ننسى نهاية عقد الستينيات من القرن الماضي حين ضخت السينما تلك الإنطلاقة القوية التي أغرقتنا بنمط جديد من أفلام الرعب الذي غير كثيرا من ملامح النوع وأكسبه بريقا جديدا، من خلال فيلم «طفل روزماري» في العام 1968، الذي يعد نقطة فاصلة بين ما سبقه وما أتى بعده، حيث أسس لظهور موجة أكثر غنى من أفلام العقود السابقة يتربع على عرش هذه الفترة فلم «طارد الأرواح الشريرة» عام 1973 الذي أخرجه ريني هارلن والذي تجاوزت إيرادته 660 مليون دولار وقد بصم عقد السبعينيات بالانتاجات الكبيرة التي لم تستمر طويلاً في العقد اللاحق إذ سرعان ما هدأت الموجة العارمة لكنها تركت أعمالاً مهمة في هذا النوع مثل: المنزل المجاور للمقبرة والعواء والناس القطط وغيرها، وقد حقق هذا المسار نجاحًا كبيرًا بغض النظر عن البناء الفني الضعيف الذي ظهرت عليه بعض هذه الأعمال.
وعلى العموم فقد كانت هذه الاعمال بمثابة قطع حبل الوصل بين نوع الرعب والفن القوطي الآخذ بالتلاشي بدءًا من أواخر الستينيات كونها أفلام عاشت تحت ظلال القرن التاسع عشر بينما الناس بدأت تستذوق أفلامًا تحمل في ثناياها قضايا معاصرة ومشاهد من الحياة التي يعرفونها والشوارع التي يألفونها، ولعل شركة هومر البريطانية التي غطت مرحلة مهمة جدًا في الثلاثينيات بقيت تكافح من أجل الاستمرار في تحقيق مزيدا من الأفلام حتى منتصف السبعينيات فقدمت عام 1971 فلم «دماء من تابوت المومياء» وهو أيضًا عن قصة لبرام ستوكر الذي اشتهر من خلال رائعته الشهيرة «دراكولا» وفي الحقيقة أن الفلم لم يسلك نمطا تقليديا من حيث الأسلوب فحسب، ولم تكن المومياء كما نتصورها، لابد أن تكون ملفوفة بالأشرطة بل عالجها من منظور حديث مستعينا بعدد غير قليل من المألوفات والأكسسوارات المتواجدة في البيئة ذاتها وأفترض أن المكان هو لندن وأخرجه سيث هولت الذي توفي والفلم في مراحله الأخيرة ليكمله مايكل كاريراس.
وقد استمرت شركة هامر بالانتاج في محاولة لعصرنة الثيمات التي تتناولها الأفلام فقدمت أفلامًا أخرى لم يكتب لها النجاح بفعل الإسفاف والأفراط المبالغ فيه في تجسيد المشاعر الحسية والأحداث ولعل أشهرها هو فلم «سيرك مصاصي الدماء» الذي أنتجته في نفس العام، وبقي الامر هكذا حتى جاء آخر نتاجاتها «أبنة الشيطان» عام 1976 وهو لم يختلف عن سابقه من حيث المشاهد الحسية الكثيرة التي اعتمد عليها في تحقيق الإثارة خصوصًا وأنه استخدم النجمة الجميلة ناستاسيا كينسكي وكرستوفرلي وريتشارد ويدمارك وهم من أشهر نجوم تلك الحقبة، وبهذا وضعت شركة هامر نقطة النهاية.
لكن هذا لم يمنع من وجود شركات أخرى قدمت أفلاما أخرى مثل شركة أميكوس التي أنتجت هي الأخرى عددا من أفلام الرعب مثل: قبو الرعب عام 1972 ثم تلاه بعام «من وراء القبر» وهي أفلام حاولت أن تكون قريبة من المشاهد حيث مازجت بين التسلية الخفيفة ومواقف الرعب، ومن المفيد أن ذكر هنا بأن جميع الإنتاج أنحصرت موضوعاته بين السحر الذي أحتل مساحة غير قليلة والأستحواذ والجنس، لكن فلمين نستطيع أن نميزهما بوضوح رغم أنهما يتضمنان ايضا ذات القوالب الجنسية غير أنهما اختلفا عن بقية أفلام النوع الأول هو فلم «استحواذ جويل ديلاني» الذي خرج عن النمط بتعرضه للشأن السياسي و«طارد الأرواح الشريرة» الذي سبق ذكره للمخرج ويليام فريدكين، إذ أصبح نموذجا للأفلام الناجحة لما تضمنه من مشاهد حسية حادة فضلاً عن المؤثرات البصرية والمكياج الناجح في إظهار التشوهات في الوجه والإضاءة التي لعبت دورًا مترافقًا في تعزيز المشاهد دراميًا مما زاد من قوتها التعبيرية وتأثيرها في المشاهد وهو يرى الضوء والظلال تترافق في تحولاتها مع تحولات المؤثر الصوتي، وتجسيد الحدث فيصل المشهد إلى أقصاه من الناحية التعبيرية والتأثيرية.
وفي الحقيقة أن قنبلة الرعب المدوية جاءت في فلم «النذير» 1976 الذي مثله جريجوري بيك ويتحدث عن قصة طفل ترعاه مربية شريرة ويحرسهما كلب أسود وحين يدرك الأب في النهاية أن أبنه الصغير هو مصدر الشر كله يقتل في النهاية على يد الشرطة ليبقى الطفل حيًا يعكس وجهه الطفولي البراءة كاملة. والفلم شأنه كشأن سابقه في جزئيهما الأول والثاني يقدمان تنويعة مبتكرة في القتل ويمكن أن يُعد نقطة استشرافية لأفلام قادمة مغرقة في جرائم القتل مثل «الجمعة الثالثة عشرة» وهو الآخر عبارة عن سلسلة من الجرائم المتعاقبة في تفنن القتل.
للأمكنة المعزولة والبعيدة عن الأنظار أدوارًا في تحديد بعض من خصائص نوع الرعب من حيث طبيعة المكان وعزلته والأروقة التي يتضمها والغموض الذي يسوده وتلك الأشباح والأرواح التي تسكنه يمتزج ذلك بالضرورة مع إعجاب البطلة بالمكان في بادئ الأمر والأسترخاء ومنظره المطل والجمال والهدوء المحيط به، كلها عناصر تجتمع لتعزيز دور المكان في أفلام الرعب وكلنا يتذكر فلم «الإشراق» للمخرج الرائع ستانلي كوبرك، حيث ينزل في فندق مهجور ومنعزل عن الناس ثم يتكامل الموضوع ويقفل على الضحايا حين تهب عاصفة تقطع طرق المواصلات والاتصالات بين سكنة الفندق وخارجه، فتصبح الأمكنة ذات الشاكله والطرز تتغذى على عذابات قاطنيها الذين عبثًا يحاولون التملص من مصيدتها.
وقد نرى أن السكن أو المنزل مبني على مقبرة كما في الشبح الصاخب أو كما في فيلم «رعب أميتيفيل» 1979 وهو الآخر يستلهم ذات الثيمة حيث يكون البيت فوق مقبرة هندية ويستمر هذا النوع في الاستحواذ على المكان الذي يستحيل على الدوام إلى قفص أو مصيدة للقتل، حيث الموت والعذاب المحتم وإن نجت أحدى الشخصيات فستخرج خربة مدمرة في النهاية. ولا يقف الأستحواذ على الموضوعات ذات الصلة بالأمكنة والمساكن حيث يقطن أبطال القصص بل أيضا هناك استحواذ على الشخوص وعلى النفوس من قبل قوى دفينة وشرسة في داخل الشخوص كما في فيلم «سايكو» للفريد هيتشكوك تمثيل أنتوني بركنز الذي ما زال يتمتع بدهشة النقاد والباحثين في هذا المجال باعتباره واحدًا من أهم منعطفات التحول النوعي في مراحل تطور أفلام الرعب.