«عن فتاة سعيدة بوهمها بعد صدمة قاسية»، هذا ما تكشفه القصة المعنونة بـ«غرفة الكشف رقم 7»، للكاتبة البحرينية فاطمة النهام التي حظيت بتكريم خاص على إثر مشاركتها في الدورة التاسعة، من «مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون» في جمهورية مصر، إذ جاء التكريم بمسمى «خاص»، نظير فكرة القصة وما امتازت به من جوانب إبداعية وسردية، مكّنتها من أن تكون ضمن الفائزين الأوائل في فئة القصة القصيرة، والذين سيكرّمون في (سبتمبر) القادم، بالقاهرة. وقد سبق لـ«صحيفة الأيام» نشر قصة النهام، والتي نعيد نشرها بناءً على التكريم الخاص الذي حظيت به.
في صباح مشمس، توقفت سيارة (منار) أمام البوابة الضخمة لمستشفى السعادة التخصصي. ترجّلت منها، ثم خطت إلى المصعد الكهربائي، وما هي إلا لحظات حتى وصلت إلى عيادة الحوامل. جلست في غرفة الانتظار، وأخذت تتحسّس بطنها، وقلبها يختلج بأحاسيس الفرح. ها هي تحمل في أحشائها طفلها الأول.
مشاعر شتى داعبت قلبها وروحها كنسائم الربيع، تتراقص بين أضلعها كأوراق البساتين. عيناها تنظران للحياة بلون مغاير، فالهواء مختلف، والشمس لها نور آخر، وللسماء ابتسامتها بلورية. لقد تحول ربيع عمرها إلى عالم موسيقي أخاذ، يملأ حياتها بأعذب الألحان. فصغيرها القادم هو سعادتها المقبلة، والأمل الذي يضيء حياتها بألوان البهجة. هو ثمرة ارتباطها بحبها الأزلي. هي تتذكر جيدًا قصة عشقها لزوجها (أحمد)، كانت قصة جميلة تكللت سريعًا بالزواج، لقد أحبت ابتسامته، وحنانه، وعينيه الدافئتين.
«منار عبدالله!»، قطع حبل أفكارها صوت الطبيبة، نهضت من مكانها على الفور، وخطت إلى غرفة الكشف رقم (7). وفي قاعة الانتظار رمقتها إحدى النسوة. همست بإذن الحامل الجالسة إلى جوارها: «أترين تلك السيدة التي دخلت للتو إلى غرفة الكشف؟!»، أجابت: «تقصدين تلك الفتاة الجميلة.. يبدو أنها في الشهور الأولى.. ولكن، لماذا تسألين؟!»، هزّت السيدة الأولى رأسها وهي تقول بتعجب: «أستغرب لأمرها فعلاً!»، «ولِم؟ ما بها؟!»، «منذ بداية ترددي على هذه العيادة، أي منذ أشهر، وأنا أراها تأتي إلى هنا، ولكنني أتساءل: «لماذا لم يكبر بطنها إلى الآن؟»، مطّت المرأة الثانية شفتيها وهي تقول: «أمر محير فعلاً!». تأوهت الأولى وهي تضع كفّها على بطنها الكبيرة: «يبدو أنه موعدي الأخير! لقد أخبرتني الطبيبة بأنه ربما يتم تحويلي إلى جناح الولادة في وقت قريب».
في غرفة الكشف، تمدّدت (منار) على السرير، بعد أن كشفت عن بطنها. ابتسمت الطبيبة وهي تقول: «كيف حالك اليوم؟»، أجابت: «أتوقُ إلى أن أطمئن على صغيري»، فردّت الطبيبة: «خيرًا إن شاء الله». وضعت الطبيبة المرهم الشفاف على بطن (منار)، وفي ثوانٍ أخذ الجهاز ينزلق هنا وهناك، وهي تتأمل الشاشة بتمعن.
كان قلبها يخفق بعنف، خاطبت نفسها: «ما أجملها من لحظة وأنا أرى صغيري وهو موفور الصحة والعافية، يستشعر أنفاسي، ويسمع صوتي، ويشعر بشوقي إليه»، أشارت الطبيبة إلى الشاشة وهي تقول: «كما ترين، وضعه طبيعي تمامًا، حجم الرأس، وظائف القلب والكبد والكلى سليمة، وكذلك نمو الأطراف»، تأملت (منار) الصورة المتحركة على الشاشة، كان صدرها يعلو ويهبط، «رباه! كم هو جميل ورائع!».
أقفلت الطبيبة الجهاز، ومسحت بطن (منار) بمنديل ورقي وهي تقول: «وضع الجنين سليم والحمد لله»، نهضت لتعدل ملابسها، وقلبها يرفرف كجناحي عصفور. ارتدت حذاءها، ثم سلمتها الطبيبة بطاقة المواعيد وهي تتأمل عينيها قائلة: «موعدك التالي خلال الشهر القادم، أرجو أن تثبتيه في قسم السجلات»، ابتسمت وهي تقول: «فليكن.. شكرًا لك»، ثم انصرفت من المكان.
بعد أن تأكدت الطبيبة من انصرافها، ضغطت على أزرار الهاتف، وخلال ثوانٍ أجابها صوت أنثوي: «شركة أحمد وإخوانه للاستيراد والتصدير.. من المتحدث؟!»، «معك الدكتورة (مريم)، هل يمكنني محادثة مدير الشركة؟»، «بكل سرور». وخلال لحظات أجابها (أحمد) بلهفة: «أهلاً يا دكتورة (مريم).. خيرًا إن شاء الله!»، قالت: «كنت أود أن أخبرك أن زوجتك قد انصرفت من العيادة منذ قليل»، فسأل: «وماذا حصل؟!»، قالت: «لا جديد.. سايرتها مثل كل مرة تأتي بها إليَّ، كما طلبت مني»، قال: «جيد.. أحسنتِ.. كما تعلمين.. هذه هي الجلسة العلاجية الأولى بحسب تعليمات طبيبها النفسي، سبق أن قد تعرّضت لصدمة نفسية لفقد طفلنا في شهوره الأولى في ذلك الحادث المؤسف»، فقالت: «فعلاً، إنه أمر مؤسف حقًّا يا سيد (أحمد)، ولكن مؤكد أنها محنة وستتجاوزها بإذن الله»، قال بامتنان: «أشكرك يا دكتورة (مريم).. لن أنسى لك هذا الجميل أبدًا».
في الموقف المقابل للمستشفى، صعدت (منار) إلى سيارتها وأدارت المحرك، غاصت في المقعد، وتنفست بعمق، تأملت الأفق البعيد بسعادة وأمل، ثم حدثت نفسها: «الآن، سأتوجه إلى متجر ملابس الأطفال».