أصدرت «مؤسسة منتدى أصيلة»، ضمن منشوراتها الجديدة، وفي سياق فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي السادس والأربعين، في دورته الخريفية، كتابًا توثيقيًا موسعًا بعنوان «محمد بن عيسى... رجل الدولة وأيقونة الثقافة.. شهادات وذكريات»، يجمع بين دفّتيه شهادات المشاركين في ندوة «خيمة الإبداع» التي حملت العنوان ذاته، في تقليدٍ دأبت المؤسسة على ترسيخه منذ إطلاق هذه الفعالية، وفاءً لرموز الفكر والثقافة الذين أسهموا في صياغة الوعي الجمالي والمعرفي في المغرب والعالم العربي.
يحتفي الكتاب بشخصية طبعت الذاكرة الثقافية والسياسية المغربية والعربية بطابعٍ من النبل والالتزام، هي شخصية محمد بن عيسى، الذي جمع في مسيرته بين عمق المثقف وحنكة رجل الدولة ورهافة الإنسان، فغدا نموذجًا في التفاني والعطاء، وركيزة في بناء المشهد الثقافي والدبلوماسي والإنساني لمدينة أصيلة والمغرب عمومًا. ومن خلال هذا الإصدار، تستعيد أصيلة ما قدمه ابنها لمدينتها، من مبادرات اجتماعية ومدنية وثقافية وإنسانية شكلت ملامح نهضتها الحديثة.
جاء الكتاب في طبعة أنيقة من 399 صفحة، متضمنًا ثماني وسبعين شهادة لشخصيات رفيعة المقام من عالم الثقافة والسياسة والإعلام والدبلوماسية والحقل الأكاديمي، ممّن التقوا محمد بن عيسى في محطات متفرقة من حياته، فدوّنوا انطباعات صادقة عن سيرته ومسيرته. تتقاطع في هذه الشهادات مشاعر الوفاء والاعتزاز، وتتعانق فيها الدقة مع التلقائية، والصدق مع المحبة، في نسيج من العبارات التي تكشف جوهر رجل عاش للثقافة كما عاش للدولة، وترك في كل من عرفه أثرًا لا يُمحى.
وقد قدّم للكتاب الإعلامي عبد الإله التهاني، منسق فعاليات «خيمة الإبداع»، بمقدمةٍ شاملةٍ اعتبر فيها أن هذا العمل ليس مجرد تجميعٍ لشهادات وذكريات، بل هو «وثيقة وجدانية وذاكرة جماعية» تنبض بالانطباعات والتأملات والسرديات الشيقة، عن حياة وأعمال «وزير مقتدر، وسفير خبير، ومثقف ألمعيّ»، استطاع أن يجعل من الثقافة جسرًا للعبور بين الأمم، ومن الدبلوماسية فعلاً إنسانيًا مشبعًا بالذوق والجمال والمعرفة.
وتأتي هذه الشهادات، كما يشير التهاني، شاهدًا على قيم الصداقة والتقدير والاحترام التي جمعت أصحابها بالراحل، مخلدةً في آنٍ واحدٍ مسيرته ومواقفه وإسهاماته التي امتدت من خدمة الدولة إلى خدمة الثقافة والإنسان. ويؤكد التهاني أن هذا الكتاب سيبقى «علامة من علامات الوفاء والمحبة لفقيد المغرب والعروبة والإنسانية، محمد بن عيسى، رجل الدولة وأيقونة الثقافة».
وفضلاً عن المقدمة، استُهلّ الكتاب برسالة التعزية المؤثرة التي بعث بها جلالة الملك محمد السادس إلى أسرة الفقيد محمد بن عيسى، معزّيًا ومواسيًا، ومشيدًا بوطنيته الصادقة وإسهاماته الثقافية، وبإخلاصه وكفاءته العالية في الاضطلاع بمختلف المهام الحكومية التي أسندت إليه.
شهادات تخلّد السيرة وتوثق الذاكرة
ضمّ الكتاب شهادات لمجموعة من الشخصيات الرفيعة من وزراء وسفراء سابقين وحاليين، وإعلاميين وكتاب وفاعلين في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام، عبّر كلٌّ منهم عن جانب من شخصية الراحل ومسيرته. من أبرز هذه الشهادات: «محمد بن عيسى خادم الثقافة بلا كلل» للرئيس السنغالي الأسبق ماكي صال، و«محمد بن عيسى.. خير العضيد ونعم الرفيق في الدفاع عن قضايا الأمتين العربية والإسلامية» للأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي السابق لدى الولايات المتحدة والأمين العام السابق لمجلس الأمن الوطني السعودي، و«العقل المتفتح والذهن الوقاد... واللسان اللبق» لوزير الخارجية المصري الأسبق وأمين عام جامعة الدول العربية الأسبق عمرو موسى، و«الرائد والرؤيوي» للمستشار الملكي أندريه أزولاي، و«محمد بن عيسى.. البصمة التي لا تمحى في عالم الثقافة العربية» لنبيل يعقوب الحمر، المستشار الإعلامي لجلالة الملك المعظم، ملك مملكة البحرين.
كما كتبت لآنا بالاثيو، وزيرة الشؤون الخارجية الإسبانية سابقًا، «محمد بن عيسى.. الدبلوماسية والجماليات»، و«برزخ الزمان الطويل» لعبدالرحمن شلقم، وزير خارجية ليبيا السابق، و«قامة وطنية بإشعاع عالمي وجذور محلية» لمحمد نبيل بنعبد الله، الوزير والسفير السابق وأمين عام حزب التقدم والاشتراكية المغربي، و«روح الكبار تأبى الغياب» لوزير العدل المغربي عبداللطيف وهبي، و«الحاجة إلى محمد بن عيسى اليوم أكثر من الأمس» للشيخ تيجان غاديو، رئيس المعهد الأفريقي للاستراتيجيات (السلام - الأمن - الحوكمة) ووزير الشؤون الخارجية في السنغال سابقًا، و«محمد بن عيسى... اسمٌ وفعلٌ ومجموعة أشخاص في شخص واحد» لعثمان العمير، ناشر موقع «إيلاف» اللندني / رئيس تحرير جريدة «الشرق الأوسط» سابقًا.
وتحت عنوان «تحية إلى محمد بن عيسى رجل دولة وثقافة»، كتب فيكتور بورجيس، وزير خارجية الرأس الأخضر سابقًا، و«في حضرة الدبلوماسية والثقافة والأناقة» لمحمد الحسن ولد لبات، الأستاذ الجامعي ووزير خارجية موريتانيا سابقًا، و«رجل الدولة ونصير الثقافة» لمحمد الهادي الدايري، وزير خارجية ليبيا سابقًا، و«زُبدة الخِصال في سيرة سيّد الرجال» للكاتب والروائي المغربي أحمد المديني، و«السهل الممتنع» للكاتب الصحافي اللبناني خيرالله خيرالله، و«محمد بن عيسى.. من الخالدين» لخالد المالك رئيس تحرير جريدة الجزيرة السعودية، و«محمد بن عيسى.. والارتقاء إلى مصاف الخالدين» للكاتب الصحافي اللبناني عبدالوهاب بدرخان، و«محمد بن عيسى جسر بين الضفاف» للكاتب والصحافي الموريتاني عبدالله ولد محمدي.
بُعدٌ إنسانيٌّ وثقافيٌّ وسياسيٌّكتب حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، تحت عنوان «في حضرة الغياب.. والفكرة التي لا تموت»: «ظلّ «السي بن عيسى»، بالنسبة لي ولزملائي وأصدقائي في جمعية المحيط، التي أصبحت لاحقًا مؤسّسة منتدى أصيلة، شخصية متعدّدة الأبعاد والمزايا. فهو المثقف، والسياسي، والديبلوماسي، والفنان، والمرشد، والمعلم، والمربي، والملهم... وقبل كلّ شيء، الإنسان الذي تُدرك منذ اللحظة الأولى، نفحته الإنسانية الفذّة».
وأضاف البطيوي أن ما حققه بن عيسى في أصيلة، على امتداد أكثر من أربعة عقود، هو في نهاية المطاف، «إنجاز في خدمة الإنسان»؛ لذا «ظلّ البعد الإنساني، إلى جانب البعدين الثقافي والسياسي - الديبلوماسي، محورًا أساسيًا في مسيرته المتميزة».
وشدد البطيوي على أن الحديث عن بن عيسى «لا يُختزل في كلمات، ولا يُوفى في سطور»، بعد أن «خدم مدينته بإخلاص، وحمل في عقله وقلبه أفكارًا وأحلامًا كثيرة، أراد أن يُحققها، لكن القدر المحتوم باغته».
وقال البطيوي إن بن عيسى حمى أصيلة، على امتداد عقود طويلة، بدعم ملكي موصول، وكانت لديه أفكار وأحلام أخرى كثيرة، أراد إنجازها، لكن الأجل حال دون تحقيقها، غير أن الأمل - يستدرك البطيوي - يبقى وطيدًا في تحقيق تلك الأحلام، فما دامت هناك حياة، هناك أيضًا فسحة أمل، وكثير من الطاقة الإيجابية».
وداعًا صديقي
تحت عنوان «وداعًا صديقي»، كتب ميغيل أنخيل موراتينوس، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والممثل السامي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، ووزير خارجية إسبانيا سابقًا، شهادة مؤثرة ضمّنها مشاعر الصداقة والتقدير نحو الفقيد، قال في بدايتها: «وداعًا صديقي... هكذا كنت تودعني دائمًا، في كل مرة نلتقي فيها أو أزورك. وها أنا اليوم أودعك مرة أخرى، ولكنه هذه المرة، وداع مؤلم وحزين للغاية. ولحسن الحظ أن صداقتنا الطويلة، التي دامت أكثر من ثلاثة عقود، تملؤني بفيض من الذكريات، واللحظات الحية، والتجارب المشتركة. كل هذه الذكريات ما زالت حاضرة بقوة في حياتي، وستساعدني على تذكرك بالمودة والإعجاب ذاتهما، اللذين كنت أحملهما لك دائمًا».
وأضاف موراتينوس: «اليوم، يمكننا أن نقول بلا تردد: إذا كان هناك وزير في تاريخ المغرب، يمكن اعتباره ناطقًا بالإسبانية ومحبًا لها، فهو أنت. حياتك مليئة بالكثير من الذكريات والروابط مع إسبانيا، بما في ذلك حصولك على فرصة مواصلة دراستك في القاهرة، بفضل تدخل سفير إسباني هناك، ساعدك على الحصول على الوثائق الرسمية اللازمة للسفر والإقامة. هناك العديد من القصص والتجارب واللحظات، التي تقاطعت مع حياتنا المهنية والشخصية. واليوم ليس وقت استذكارها جميعًا، لكن من الضروري تسليط الضوء على مساهمتك الثمينة في تحسين العلاقات بين إسبانيا والمغرب. لقد نلتَ شرف خدمة مَلِكَين في بلدك. ووصلت إلى هذه المكانة بقرارهما، ولكن أيضًا بفضل عملك السابق، وقدرتك على المخاطرة واقتراح حلول مبتكرة، وولائك الدائم لرؤسائك ولوطنك. لقد عملت على تحديث الدبلوماسية المغربية، ويُعرف اسمك ويُقدَّر في أفريقيا، والشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا».
وقال موراتينوس في آخر رسالته / شهادته: «فتحتَ لي أبواب أفريقيا، بفضل منتدى أصيلة وبفضل خبرتك. تعرفت على عدد كبير من الشخصيات البارزة من أفريقيا جنوب الصحراء. وفي منزلك وجدت المفتاح لحل قضية اختطاف مؤلمة وطويلة، تعرض لها عدد من المتعاونين الإسبان في موريتانيا. كما تعلمت منك الحكمة، والاستفادة من خبرات زملاء من الشرق الأوسط والقارة الأفريقية. كان منتدى أصيلة بالنسبة لي موعدًا لا يمكن تفويته. وكنت دائمًا أقول علنًا إنه أكثر أهمية وإلهامًا من أي منتدى دولي آخر، بما في ذلك منتدى دافوس. وكان آخر لقاء بيننا في أكتوبر الماضي، في منتداك، وفي مدينتك. وفي منزلك، أجرينا كعادتنا حوارًا عميقًا، محترمًا، ومُثرِيًا، انتهى - كما في كل مرة - في وقت متأخر من الليل، ونحن نتذوّق أطباق المطبخ المغربي الشهية، برفقة زوجتك العزيزة ليلى، ومثقفين عرب مغمورين في الغرب، لكنهم لامعون ومتواضعون في تحليلاتهم لوضع عالمنا. وكما كنتَ تقول لي دائمًا، قلت لي مجددًا: «وداعًا، صديقي». لم أكن أعلم أنها ستكون المرة الأخيرة التي أراك فيها. أرقد بسلام. وسنواصل نحن السعي من أجل السلام، مستلهمين إرثك وحكمتك».