تقرير وتصوير: عبدالله المطاوعة
في مشهد أخضر نادر يتسلّل بين الماء واليابسة، تقف أشجار القرم في البحرين شاهدةً على قدرة الطبيعة على استعادة حضورها متى وجدت الرعاية والمتابعة. ففي دوحة عراد وخليج توبلي، حيث تمتد الجذور في التربة الساحلية الرطبة، وتتعانق الأغصان مع حركة المدّ والجزر، تبدو أشجار القرم أكثر من مجرد غطاء نباتي؛ إنها نظام بيئي حي، وواجهة طبيعية تعكس جانبًا من التحول البيئي الذي تشهده مملكة البحرين في إطار مبادراتها الوطنية لحماية الموارد الطبيعية وتعزيز الاستدامة.
وبالتزامن مع اليوم العالمي للبيئة، الذي يصادف الخامس من يونيو من كل عام، تبرز أشجار القرم في البحرين بوصفها واحدة من أكثر القصص البيئية حضورًا في السنوات الأخيرة، ليس لما تمثله من قيمة جمالية وساحلية فحسب، بل لما تحمله من أهمية بيئية ومناخية متزايدة، كونها موائل طبيعية للطيور والكائنات البحرية، ومناطق حضانة للأسماك والقشريات، وخط دفاع طبيعي يساعد في حماية السواحل من التآكل، فضلًا عن دورها في امتصاص الكربون وتخزينه ضمن ما يُعرف بالنظم الساحلية ذات الأثر المناخي المهم.
وقد انتقلت جهود القرم في البحرين خلال الأعوام الأخيرة من نطاق المبادرات البيئية المتفرقة إلى مشروع وطني واضح المعالم، تجسّد في مبادرة «قرم البحرين» التي أطلقها سمو الشيخ محمد بن سلمان بن حمد آل خليفة في ديسمبر 2024، دعمًا للجهود الوطنية الهادفة إلى تعزيز الغطاء الأخضر، وحماية النظم البيئية الساحلية، والإسهام في تحقيق التزامات مملكة البحرين المناخية، وفي مقدمتها الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2060.
وتستند المبادرة إلى هدف رئيس، يتمثل في مضاعفة أعداد أشجار القرم في المملكة أربع مرات بحلول عام 2035، غير أن أحدث الأرقام المعلنة تكشف أن البحرين تجاوزت هذا المستهدف قبل موعده بسنوات؛ إذ بلغت نسبة الإنجاز في زراعة أشجار القرم 139%، بعد زراعة 2.23 مليون شتلة، متجاوزة الهدف المحدد بزراعة 1.6 مليون شتلة بحلول عام 2035. ويعكس هذا الرقم نقلة نوعية في مسار المبادرة، ويؤكد أن ملف القرم لم يعد مجرد نشاط موسمي للزراعة، بل أصبح جزءًا من رؤية بيئية أشمل ترتبط بالتنمية المستدامة والأمن البيئي وحماية السواحل.
وتأتي مبادرة القرم ضمن سياق أوسع تقوده البحرين عبر خطة التشجير الوطنية، التي تستهدف زراعة 3.6 مليون شجرة بحلول عام 2035. وقد بلغت نسبة الإنجاز في هذه الخطة 68% بعد زراعة 2.45 مليون شجرة، الأمر الذي يضع مبادرة القرم في قلب الحراك الوطني لتعزيز الرقعة الخضراء، وتوسيع حضور الحلول الطبيعية في مواجهة التحديات المناخية والبيئية.
وتكتسب دوحة عراد أهمية خاصة ضمن هذا المشهد؛ فهي واحدة من المواقع التي أصبحت مرتبطة بصريًا وبيئيًا بحضور أشجار القرم، إذ تعكس الصور الملتقطة فيها جانبًا من التداخل بين الطبيعة الساحلية والمشهد العمراني المحيط، وتُظهر كيف يمكن للمناطق الساحلية أن تتحول إلى فضاءات بيئية نابضة بالحياة متى ما جرى الحفاظ عليها وتنميتها. كما يشكّل خليج توبلي أحد أهم المواقع البيئية المرتبطة بأشجار القرم في البحرين، بما يمثله من موئل طبيعي غني للكائنات البحرية والطيور، ومنطقة ذات ذاكرة بيئية عميقة في الوجدان البحريني.
وتبرز أهمية أشجار القرم في كونها لا تنمو في بيئة عادية، بل في مناطق ساحلية مالحة وطينية تتأثر بحركة المد والجزر، وهو ما يمنحها خصوصية بيئية عالية. فجذورها الممتدة لا تثبّت التربة فحسب، بل توفر بيئة آمنة لكثير من الكائنات الصغيرة، وتساعد في تحسين جودة الموائل البحرية المحيطة بها. ومن هنا، فإن العناية بالقرم ليست عناية بشجرة منفردة، بل بمنظومة كاملة تربط البحر باليابسة، وتحفظ توازنًا بيئيًا دقيقًا في مساحة محدودة لكنها شديدة الأهمية.
كما أن المبادرة الوطنية لزيادة أشجار القرم تحمل بعدًا توعويًا ومجتمعيًا لا يقل أهمية عن بعدها الزراعي والبيئي. فحماية القرم لا تتوقف عند زراعة الشتلات، بل تتطلب متابعة نموها، وحماية المواقع الساحلية من المخلفات والردم والضغط البشري، وتعزيز وعي الجمهور بأهمية هذه الأشجار، خصوصًا لدى الطلبة والشباب والعائلات والمهتمين بالتصوير والسياحة البيئية. وكلما اقترب الناس من هذه المواقع وقرأوا قيمتها البيئية، ازدادت فرص حمايتها وتحويلها إلى جزء من الثقافة العامة للاستدامة.
وفي اليوم العالمي للبيئة، تبدو صور القرم في دوحة عراد وخليج توبلي وكأنها رسالة بصرية من البحرين إلى المستقبل: أن حماية البيئة لا تبدأ دائمًا من المشاريع الكبرى وحدها، بل قد تبدأ من شتلة صغيرة تغرس في تربة ساحلية، ثم تتحوّل مع الوقت إلى موئل للكائنات، ومصدّ طبيعي للسواحل، ومشهد جمالي يذكّر الناس بأن الطبيعة حين تُمنح الفرصة قادرة على أن تردّ الجميل.
لقد نجحت البحرين في تحويل القرم إلى عنوان بيئي وطني، وفي تجاوز مستهدفات رقمية كانت موضوعة لعام 2035، لكن القيمة الأعمق لهذا الإنجاز ستتجلى في السنوات المقبلة، حين تتحول الشتلات إلى غابات ساحلية صغيرة، وحين يصبح القرم جزءًا حاضرًا في الوعي العام، لا بوصفه نباتًا بحريًا فحسب، بل بوصفه رصيدًا طبيعيًا يحمي البحرين ويجمّل سواحلها ويدعم مستقبلها البيئي.