محرر الشؤون المحلية:
في جولة ميدانية امتدت عبر محافظات مملكة البحرين، بدت ملامح التشجير حاضرة في الشوارع والطرقات والأحياء السكنية والتقاطعات والممرات العامة، حيث تحولت الأشجار والشتلات إلى جزء من المشهد الحضري اليومي، وإلى عنصر جمالي وبيئي يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان، ويمنح المدن والأحياء نفسًا أخضر أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة العامة.
ورصدت عدسة «الأيام» مشاهد متنوعة من جهود التشجير التي تشرف عليها وزارة شؤون البلديات والزراعة ضمن خطة التشجير الوطنية، بين شوارع اكتمل فيها نمو الأشجار وأصبحت ظلالها جزءًا من المشهد العام، ومواقع أخرى ما تزال في بداياتها، حيث تبدو الشتلات الصغيرة وهي تشق طريقها نحو النمو، في صورة تعكس مسارًا طويل الأمد لا يكتفي بزراعة الشجرة، بل يراهن على رعايتها واستدامتها وتحولها مع السنوات إلى غطاء أخضر أكثر اتساعًا.
وتأتي هذه الجولة المصورة بالتزامن مع اليوم العالمي للبيئة، الذي صادف أمس الجمعة، في وقت تمضي فيه مملكة البحرين بخطوات متقدمة في تنفيذ خطة التشجير الوطنية، الهادفة إلى مضاعفة عدد الأشجار في المملكة من 1.8 مليون شجرة إلى 3.6 مليون شجرة بحلول عام 2035، ضمن التزامات وطنية أوسع تستهدف تعزيز الاستدامة، وتحسين جودة الحياة، ودعم الجهود المناخية الرامية إلى خفض الانبعاثات والوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2060.
وتشير أحدث الأرقام المعلنة إلى أن عدد الأشجار المزروعة ضمن خطة التشجير الوطنية بلغ نحو 2.45 مليون شجرة، بما يمثل 68% من مستهدف الخطة البالغ 3.6 مليون شجرة بحلول عام 2035. ويعكس هذا الرقم تقدمًا لافتًا في مسار الخطة، خصوصًا أنها لا تزال تمتد لسنوات مقبلة، بما يفتح المجال أمام مواصلة التوسع في التشجير، وتعزيز الشراكات الحكومية والمجتمعية، ورفع كفاءة المساحات الخضراء في مختلف محافظات المملكة.
ولا تبدو خطة التشجير في البحرين مجرد مشروع تجميلي لتحسين المشهد العام، بل تمثل مسارًا وطنيًا يرتبط بالبيئة والصحة وجودة الحياة والتكيّف مع المناخ. فالأشجار في المدن ليست عنصرًا بصريًا فحسب، بل تساهم في تلطيف الأجواء، وتخفيف أثر الحرارة في المناطق الحضرية، وتقليل الغبار، وتحسين المشهد العمراني، وتوفير مساحات أكثر راحة للمشاة والعائلات ومرتادي الطرق والمرافق العامة.
وتظهر الصور التي التقطتها «الأيام» كيف امتدت جهود التشجير إلى أنماط متعددة من المواقع، من الشوارع الرئيسية والفرعية، إلى الأحياء السكنية، ومن التقاطعات والدوارات إلى الممرات والمواقع القريبة من النصب التذكارية، بما يعكس اتساع نطاق العمل البلدي في جعل التشجير حاضرًا في التفاصيل اليومية للمواطنين والمقيمين، لا مقتصرًا على الحدائق والمتنزهات العامة فقط.
وفي بعض المواقع، بدت الأشجار وقد اكتمل حضورها، مانحةً المكان ظلًا وجمالًا وتناغمًا بصريًا مع الشارع والمباني المحيطة. وفي مواقع أخرى، حضرت الشتلات الجديدة بوصفها وعدًا أخضر للمستقبل، ورسالة بأن خطة التشجير لا تُقاس فقط بما تحقق من منجزات مرئية اليوم، بل بما سيكبر ويتحول خلال السنوات المقبلة إلى مشهد أكثر اخضرارًا واستدامة.
وتكتسب هذه الجهود أهمية مضاعفة في بلد ذي طبيعة مناخية حارة وجافة، حيث تصبح زيادة الغطاء الأخضر إحدى الأدوات الضرورية لتحسين جودة الحياة في المدن، وتقليل أثر الجزر الحرارية في المناطق المكتظة، وتعزيز راحة مستخدمي الشوارع والمرافق العامة. ومن هنا، فإن التشجير لا ينفصل عن التخطيط الحضري الحديث، بل يتكامل معه في صناعة مدن أكثر إنسانية واستدامة.
وتتولى وزارة شؤون البلديات والزراعة الإشراف على هذا المسار من خلال خطط ومشاريع تستهدف زيادة الرقعة الخضراء، وتعزيز التشجير في المشاريع الحكومية والمرافق العامة، وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني. وقد أسهمت هذه الشراكات في تحويل التشجير إلى مسؤولية مشتركة، تتجاوز حدود العمل الحكومي المباشر إلى مشاركة أوسع من المؤسسات والأفراد والجهات الداعمة للمبادرات البيئية.
وتبرز في هذا السياق مبادرات مساندة مثل الحملة الوطنية للتشجير «دُمتِ خضراء»، التي عززت مشاركة القطاع الخاص في دعم جهود التشجير، وساهمت في غرس عشرات الآلاف من الأشجار في مواقع مختلفة، بما يعكس اتساع الوعي بأهمية الشجرة في البيئة الحضرية، وارتباطها بصورة البحرين كبلد يسعى إلى تعزيز الاستدامة وتحسين جودة الحياة.
كما جاء إطلاق أسبوع الشجرة ليمنح التشجير بعدًا وطنيًا متجددًا، من خلال تحويل زراعة الأشجار إلى موسم توعوي ومجتمعي ومؤسسي، تشارك فيه جهات حكومية وأهلية وخاصة، وتُسلط خلاله الأضواء على أهمية الشجرة في المدن، وعلى ضرورة الحفاظ عليها بعد زراعتها، باعتبار أن الاستدامة لا تتحقق بمجرد الغرس، بل بالرعاية والمتابعة والوعي المجتمعي.