حسن منصور:
في الوقت الذي تتجه فيه دول العالم إلى تقليل النفايات وتعزيز الاستفادة منها بوصفها موردًا اقتصاديًا وبيئيًا، تكشف أحدث البيانات الرسمية في مملكة البحرين أن ملف إدارة المخلفات لا يزال يواجه تحديات تتطلب مزيدًا من التوسع في إعادة التدوير وتطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري، رغم التراجع الملحوظ في إجمالي كميات النفايات مقارنة بمستويات السنوات الماضية.
وتظهر الإحصاءات الرسمية الخاصة بإدارة النفايات البلدية أن إجمالي النفايات المجمعة في البحرين بلغ خلال عام 2024 نحو 1.405 مليون طن، مقارنة بـ1.419 مليون طن في عام 2023، بانخفاض طفيف بلغت نسبته نحو 1%. ورغم محدودية هذا التراجع، فإن المقارنة مع السنوات السابقة تعكس تحوّلًا أكبر، إذ انخفض إجمالي النفايات بنحو 737 ألف طن مقارنة بعام 2017 الذي سجّل أكثر من 2.14 مليون طن، أي بتراجع يناهز 34%.
وتشير البيانات إلى أن النفايات المنزلية لا تزال تستحوذ على النصيب الأكبر من إجمالي النفايات البلدية، إذ بلغت نحو 595.2 ألف طن خلال عام 2024، مشكّلة ما يزيد على 42% من إجمالي النفايات المجمعة، في وقت ارتفعت فيه كميات النفايات الناتجة عن الأنشطة الاقتصادية المختلفة إلى 364.2 ألف طن بزيادة تجاوزت 30% مقارنة بالعام السابق، ما يعكس اتساع النشاط الاقتصادي وما يصاحبه من تحديات مرتبطة بإدارة المخلفات.
في المقابل، سجّلت نفايات الإنشاءات انخفاضًا ملحوظًا لتتراجع من نحو 371 ألف طن في عام 2023 إلى 267.9 ألف طن في عام 2024، بانخفاض يقارب 28%، لتفقد بذلك موقعها بوصفها ثاني أكبر مصدر للنفايات بعد أن تجاوزتها النفايات الناتجة عن الأنشطة الاقتصادية.
إلا أن المؤشر الأبرز في الإحصائية يتمثل في التراجع الكبير لكميات النفايات المعاد تدويرها، والتي انخفضت من 353.6 ألف طن في عام 2023 إلى 254.4 ألف طن في عام 2024، أي بخسارة تقارب 99 ألف طن خلال عام واحد، وبنسبة انخفاض بلغت 28.1%. كما تراجعت نسبة النفايات المعاد تدويرها من إجمالي النفايات المجمعة من نحو 25% إلى ما يقارب 18% فقط.
وفي الاتجاه المعاكس، ارتفعت كميات النفايات المدفونة إلى أكثر من 1.137 مليون طن خلال عام 2024، مقارنة بنحو 1.047 مليون طن في العام السابق، بزيادة بلغت 8.6%، وهو ما يعني أن نحو أربعة أخماس النفايات البلدية المجمعة في البحرين انتهت إلى المدافن خلال العام الماضي.
وتسلّط هذه الأرقام الضوء على أهمية تسريع الجهود الرامية إلى رفع معدلات إعادة التدوير والاستفادة من المخلفات، ليس من منظور بيئي فقط، وإنما أيضًا من منظور اقتصادي وتنموي، في ظل التوجهات العالمية التي تنظر إلى النفايات باعتبارها موردًا يمكن إعادة توظيفه وإدخاله مجددًا في دورة الإنتاج، بما يحدّ من استنزاف الموارد الطبيعية ويقلل الانبعاثات المرتبطة بعمليات التصنيع والدفن.
ويرى مختصون أن التحديات البيئية المرتبطة بالمخلفات والتغير المناخي والتلوث تتطلب تضافر الجهود الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع، وتعزيز ثقافة إعادة الاستخدام والتدوير، إلى جانب ترسيخ السلوكيات البيئية المسؤولة، بما يسهم في بناء منظومة أكثر استدامة وكفاءة في إدارة الموارد وحماية البيئة للأجيال القادمة.
راشد: التلوّث والمخلّفات والتغيّر المناخي تحديات مترابطة
قال الدكتور عبدالكريم راشد، الخبير والاستراتيجي في مجال الاستدامة البيئية، إن التغير المناخي وتلوث الهواء والمياه والتلوث البلاستيكي وتدهور النظم البيئية تمثل اليوم أبرز التحديات البيئية التي تواجه العالم.
وأوضح أن قضية المخلفات باتت من الملفات البيئية ذات الأولوية؛ نظرًا لارتباطها المباشر بالتغير المناخي من خلال انبعاثات غاز الميثان الناتجة عن المدافن، مشددًا على أهمية تبنّي نماذج الاقتصاد الدائري التي تقوم على خفض النفايات وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير، وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.
وأضاف أن المؤشرات المناخية العالمية، بما فيها ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرّفة، تؤكد الحاجة إلى تسريع الجهود البيئية وتعزيز الحلول المستدامة التي تسهم في حماية الموارد الطبيعية وتحقيق التوازن البيئي.
الماجد: إعادة التدوير أحد أهم أدوات خفض الانبعاثات والحفاظ على الموارد
أكد حامد الماجد، المدير التنفيذي لمجموعة مسار للتدوير، أن إعادة التدوير تمثل إحدى أكثر الوسائل فعالية في الحدّ من الآثار البيئية السلبية وتقليل الانبعاثات المرتبطة بعمليات الإنتاج والتصنيع.
وأوضح أن إعادة استخدام المواد القابلة للتدوير تقلل الحاجة إلى استخراج المواد الخام واستهلاك الطاقة، بما ينعكس إيجابًا على البيئة ويخفض حجم المخلفات المرسلة إلى المدافن.
وأشار إلى أن البحرين تمتلك قطاعًا واعدًا في مجال إدارة المخلفات وإعادة التدوير، مدعومًا بالتشريعات والضوابط البيئية التي تنظم التعامل مع المخلفات الصناعية والتجارية، مؤكدًا أهمية نشر ثقافة الفرز وإعادة التدوير، وتعزيز مشاركة المجتمع في هذا المجال.
السيّد: الوعي البيئي مسؤولية مشتركة تبدأ من السلوك اليومي
أكد العضو البلدي للدائرة الثالثة بمحافظة المحرق عبدالقادر السيد أن نجاح أي جهود بيئية لا يعتمد على المشروعات الحكومية وحدها، بل يتطلب ترسيخ ثقافة مجتمعية قائمة على المحافظة على البيئة والحدّ من الهدر وتعزيز السلوكيات المسؤولة في التعامل مع الموارد والمخلفات.
وأشار إلى أن رفع مستوى الوعي البيئي يسهم في تقليل النفايات وتعزيز ممارسات إعادة الاستخدام والتدوير والمحافظة على المرافق العامة، بما ينعكس إيجابًا على جودة الحياة والبيئة المحلية.
وأضاف أن المبادرات البيئية المتنوعة، ومنها مشروعات زيادة الرقعة الخضراء وحماية البيئة الساحلية والتوسع في زراعة أشجار القرم في دوحة عراد، تمثل نماذج مهمة للجهود الرامية إلى تعزيز الاستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.