الأيام

الشاعر الأديب علي عبدالله خليفة في ذمة الله

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 13590 الثلاثاء 23 يونيو 2026 الموافق 8 محرم 1448

سيد أحمد رضا:

واحدٌ من أبرز الأصوات الشعرية والثقافية التي كتبت البحرين؛ بحرًا، وغوصًا، ونخيلًا، وناسًا، وأمكنةً، وذاكرةً شعبية... شاعرٌ حملت قصائده روح البحرين بكل ما تختزنه من رموزٍ، وثقافة، وإرثٍ إنساني، وظل، على مدى سبعة عقود، مهجوسًا بالثقافة وأسئلتها، وبالعمل على النهوض بها، ومنشغلًا بحفظ التراث الشعبي، وتوثيق الذاكرة، وبناء المشاريع والمنابر الثقافية، التي أسهمت في توسيع حضور الثقافة البحرينية عربيًا وعالميًا.
رحل الشاعر والباحث في التراث الشعبي علي عبدالله خليفة، الاثنين 22 يونيو، عن عمرٍ ناهز الـ82، بعد مسيرةٍ ملأى بالمحطات، قضاها بين الشعر، والبحث، والتوثيق، والعمل الثقافي، تاركًا خلفه إرثًا من القصائد، والدراسات، والمشاريع الثقافية، التي ارتبطت باسمه، وبحضوره الفاعل في المشهد الثقافي البحريني والخليجي، فيما ستبقى منجزاته الشعرية والبحثية، وما أسسه من مجلاتٍ ومنابر، جزءًا من الذاكرة الثقافية؛ من «كتابات»، التي افتتحها بعبارته: «رحلة المسافات تبدأ دائمًا.. بخطوة واحدة»، وهي الخطوة التي واصل عبرها انشغاله بهاجس الثقافة وهمها، وصولًا لـ«مجلة الثقافة الشعبية»، المجلة الفصلية المتخصصة التي صدرت بست لغات عالمية، وحققت حضورًا واسعًا في مراكز الأبحاث، والجامعات، والدوائر المعنية بالتراث والثقافة الشعبية حول العالم.

ابنُ المحرق، المولود عام 1944، كان أحد أبرز الفاعلين الذين أسهموا في تأسيس الحركة الثقافية في المملكة، عبر مشاركته في تأسيس «أسرة الأدباء والكتاب»، و«المجلس الوطني للثقافة والفنون» على المستوى المحلي، إلى جانب دوره في تأسيس «مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية»، وإسهامه في تأسيس «المنظمة الدولية للفن الشعبي» على المستوى الدولي. كما كُلّف من حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، بتأسيس الأمانة العامة لـ«جائزة عيسى لخدمة الإنسانية» عام 2010، ليتولى منصب الأمين العام للجائزة منذ تأسيسها. وعلى امتداد مسيرته، واصل اشتغاله بالشعر، والكتابة، والبحث، حاملًا هاجس الاشتغال على التراث الشعبي البحريني والخليجي؛ جمعًا، وتوثيقًا، وتأصيلًا، ودراسةً.

ابن المحرق و«أنين الصواري» شاعرٌ تشكّل بين البحر واللؤلؤ

ولد خليفة وسط بيئةٍ بحرية تنتمي إلى عائلة امتهنت الغوص وصيد اللؤلؤ، وهي البيئة التي ستنعكس لاحقًا على قصائده وصوره الشعرية واشتغالاته البحثية المرتبطة بالتراث الشعبي. تلقى تعليمه في البحرين، وعكف بجهدٍ ذاتي على تكوين ثقافته، قبل أن يبدأ نشر قصائده منذ أوائل ستينيات القرن الماضي في الصحف والمجلات البحرينية واللبنانية.
ومنذُ مجموعته الشعرية الأولى «أنين الصواري»، الصادرة عن «دار العلم للملايين» في بيروت عام 1969، بدأ الشاعر الشاب يكتب البيئة البحرينية، مستعينًا مفرداتها، ومشحونًا بإيقاعات البحر والغوص والمراكب والقرى، قبل أن يواصل تجربته عبر أعمالٍ شعرية، من بينها «عطش النخيل»، و«إضاءة لذاكرة الوطن»، و«في وداع السيدة الخضراء»، و«حورية العاشق»، و«لا يتشابه الشجر»، و«تهويدة لنجمة البحر»، وصولًا لأعماله الكاملة الصادرة عام 2019 «خمسون عامًا من الشعر».

من القصيدة للذاكرة الشعبية رحلة توثيق التراث الشعبي والذاكرة المحلية

لم تتوقف تجربة خليفة، عند حدود القصيدة، إذ شكّل واحدًا من أبرز الباحثين الخليجيين في الثقافة الشعبية، منذُ انخراطه المبكر في جمع الفنون الشعبية والأغاني والنصوص الشفاهية الخليجية. ففي ستينيات القرن الماضي، رافق الباحثين الأجانب في رحلاتهم الميدانية لتوثيق الموسيقى والأغاني الشعبية في البحرين، قبل أن يبدأ مشروعه الخاص في البحث والتوثيق. أنجز الراحل عددًا من الدراسات والأبحاث التي أصبحت مراجع في مجال الثقافة الشعبية الخليجية، من بينها «فنون الموال»، و«خليج الأغاني»، و«أشكال ومضامين النصوص الشعرية في فن الفجري»، و«استلهام التراث الشعبي في الأعمال الإبداعية»، و«الفنون الشعبية.. انسجام وتناغم شعوب الأرض»، إلى جانب أبحاثه المتعلقة بالشعر العامي، والموال، والفنون الشعبية، والتراث الخليجي.
كما امتدّت اشتغالاته إلى الفضاء الخليجي والعربي، إذ تعاون في دولة قطر مع الروائي السوداني الطيب صالح، على تأسيس «قسم الدراسات والبحوث» التابع لـ«إدارة الثقافة والفنون»، وتولى رئاسته بين عامي 1978 و1980، قبل أن يطلق عام 1984 المجلة العلمية المتخصصة «المأثورات الشعبية»، مترئسًا تحريرها لثلاث سنوات. وأسهم في تأسيس «مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية»، وتولى إدارته.
وفي البحرين، واصل مشروعه في التأصيل للثقافة الشعبية، عبر تأسيس «أرشيف الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر»، الذي أصدر من خلاله «مجلة الثقافة الشعبية»، المجلة الفصلية المتخصصة التي صدرت بست لغات عالمية، بالتعاون مع «المنظمة الدولية للفن الشعبي»، منذ عام 2008، وظل مترئسًا تحريرها حتى توقفها في 2024.

مؤسسُ منابر ثقافية.. وفاعلٌ في بناء المشهد الثقافي

لعب الراحل دورًا محوريًا في تأسيس عدد من المؤسسات والمنابر الثقافية، إذ أسهم في تأسيس «أسرة الأدباء والكتاب» في البحرين عام 1969، وتولى رئاستها لاحقًا، كما أسّس «دار الغد للنشر والتوزيع»، وأطلق مجلة «كتابات»، كما أسّس «مركز عبدالرحمن كانو الثقافي»، و«منتدى البحرين للكتاب».
وامتدت اشتغالاته إلى المؤسسات الرسمية والمشاريع الثقافية المحلية والدولية، إذ تولى تأسيس «إدارة البحوث الثقافية» بالديوان الملكي عام 2001، كما شغل منصب مدير إدارة الثقافة والفنون، ومدير إدارة الشؤون الثقافية والعلمية بـ«مركز عيسى الثقافي»، وأمينًا عامًا لـ«جائزة عيسى لخدمة الإنسانية»، إلى جانب رئاسته للمنظمة الدولية للفن الشعبي (IOV)، التي انتخب رئيسًا لها عام 2016، بعد سنوات طويلة من العمل تحت مظلتها، واشتغاله على تعزيز حضور الفنون والثقافات الشعبية بوصفها جسورًا للحوار الإنساني والثقافي.
كما شارك في المؤتمرات والملتقيات الفكرية والأدبية في مختلف البلدان العربية والأجنبية، وأسهم في صياغة مشاريع ثقافية عربية، وشارك في اجتماعات الخبراء المتعلقة بحماية التراث الشعبي وحقوق المؤلف، بتكليف من منظمات دولية وعربية.
حظي الراحل، خلال مسيرته الطويلة، بالعديد من الجوائز والتكريمات، من بينها «جائزة الشعر الأولى» من مجلة «هنا البحرين»، و«درع الإبداع» عن مجمل نتاجه الشعري، و«الجائزة العالمية الكبرى في مجال الفنون» من الأكاديمية العالمية للشرق والغرب، و«جائزة الشارقة الدولية للتراث الثقافي»، و«جائزة التواصل الثقافي العالمية» من المجلس الأعلى للثقافة في الصين، إلى جانب الأوسمة التي نالها من البحرين وعدد من البلدان العربية.
كما تناولت تجربته الشعرية عشرات الدراسات والرسائل الجامعية والأبحاث النقدية، التي قاربت شعره بوصفه تجربة متصلة بالبحر، والذاكرة، والهوية، والإنسان الخليجي، في تحولاته وأسئلته وارتباطاته بالمكان.

كلمات مفتاحية
Show more