لقد تطلبت انطلاقة المشروع الإصلاحي وعيًا وطنيًا يرشد مسيرته وفهمًا عميقًا لمحاوره، وعلى وجه التحديد، ما حمله المشروع من تصورات عميقة لبرنامج العمل السياسي الذي وُضعت تصوراته، تحضيرًا وتمهيدًا، لبدء مرحلة تشريعية انطلقت في 25 نوفمبر من العام 2006، تستند إلى المعمار الدستوري المتجدد الذي تم التوافق على منطلقاته في الاستفتاء الشعبي البحريني على «ميثاق العمل الوطني».
وتخليدًا لتلك الانطلاقة، توجه صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، المتمرس في القراءة السياسية، بسلسلة من الأحاديث في الوعي الوطني، إلى أبناء شعبه ليلقي الضوء على تجربته الشخصية وتفاعلها مع تجربة البحرين التاريخية والوطنية، ومعايشته العميقة للسعي المخلص لأهل البحرين من أجل التقدم والاستقلال. فجاءت هذه الأحاديث برؤية ملكية رحبة محملة بآمال الغد الأجمل لوطن يحتضن أحلام شعبه من أجل مستقبل منفتح على كافة خيارات التوافق الوطني، وبشكل لم يتضح كاملاً للعيان من قبل، وبما يجسد دور القائد في الأمة، وأثر الأمة في تكوين القائد.
الأول من مايو هو مناسبة هذا الحديث من سلسلة أحاديث الوعي الوطني التي أردتها بمثابة مصارحات ذاتية في تجربتي الوطنية الشخصية في تفاعلها على امتداد العمر والخبرة مع قضايانا العامة، وما تركته في النفس من قناعات فكرية ومنطلقات شعورية ما تزال حيّة ومؤثرة إلى اليوم، وكانت لها انعكاساتها الواضحة في تشكيل مشروعنا الشامل للإصلاح والتحديث والنابع من الداخل الوطني.
واعتقد بأمانة، أنه ما كان ممكنًا أن نتوافق على هذا المشروع بآفاقه الرحبة القائمة على فلسفة التجديد للحياة الديمقراطية والدستورية، ثم ننطلق لولا وجود مجتمع مدني متقدم في البحرين يمثل الأساس الوطيد لانطلاق ذلك التجديد الذي استبقنا فيه، بفضل الله، ثم باستعداد شعب البحرين، المتغيرات الدولية العاصفة بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبإرادتنا الوطنية الحرة، وذلك في ضوء ما يتضح أمام الجميع بأن الديمقراطية لا يمكن أن تترسخ برغبة ذاتية من حاكم أو محكوم، ولا بد لها من أساس اجتماعي صلب هو المجتمع المدني الناضج والواعي بمؤسساته وخبراته وأنشطته في مختلف جوانب الحياة، فهو المحك للتجربة الديمقراطية، وذلك ما يعطينا الثقة ويزودنا بالأمل في نجاح تجربة البحرين المتجددة في الإصلاح والتحديث لأنها تمتلك جذورًا راسخة في عمق التربية الوطنية؛ وهي مكونات المجتمع المدني البحريني الذي أستطيع أن أفاخر به أمام العالم كله، لأنه شاهد النهضة في البحرين منذ بدء المسيرة. وإذ يسود الحديث عن الضغوط الخارجية، فإن المجتمع المدني هو الضمانة الحقيقية لأي إصلاح وهو الدافع إليه، كما تؤكده تجربتنا البحرينية.
ولعمال البحرين موقع رئيس في تكوين مجتمعنا المدني فهم يمثلون قوة حية وفاعلة بين القوى المدنية المنتجة، ولهم في نفسي تقدير يستند إلى ما يبذلونه من جهد في مسيرة التنمية، لذلك ارتأيت، أن يكون الأول من مايو عطلة رسمية في البحرين تقديرًا لعمالها، فهم طلائع التحديث الصناعي في تاريخنا، ليس في البحرين وحدها، وإنما بمشاركتهم الأشقاء في بلدان الخليج الأخرى، وثقتي في شباب البحرين لاكتساب قدرة آبائهم الإنتاجية، وتجاوز مشكلة البطالة التي لم تقف حائلاً أمام العامل البحريني قط.
ويسعدني على الدوام أن أكون مشاركًا في تقدير جهود عمالنا وهم يواصلون مسيرة تنامي المجتمع المدني في بلادهم، الذي أكن لجميع مكوناتها -رجالاً ونساءً ومؤسسات- أعمق التقدير، وأريد أن أخصص في حديثي هذا عن نشأته ودوره، وأن ألقي الضوء على تاريخه العريق في هذه الجزر، ذلك التاريخ الذي أسس للتعايش والتسامح والانفتاح في مملكتها منذ أقدم العصور، ولم يأت وليد هذه اللحظة العابرة. ولا بد أن أتابع «الشريط» من بدايته لتسجيل اللقطات المشعّة التي نسجت ملحمة اكتشافي لعراقة مجتمعنا المدني وشغفي برقيه لأنها قصة ود واعتزاز طويلة وجميلة!
الهوايات
بحكم النشأة العسكرية، تعلمًا ومرانًا واحترافًا، بقيت معي هواية الطيران إلى اليوم، في الحياة المدنية، إلى جانب الهوايات والرياضات الأخرى كرياضة الجولف وركوب الخيل، وبقيت قيادة «طائرات الهيلوكوبتر» الأقرب إلى النفس.
لدى قيادة الهيلوكوبتر يطير المرء عاليًا بعض الشيء، لكن على مقربة من الطبيعة والناس بين المدينة والريف والبر المنفتح. غالبًا ما كنت أحلق في أجواء المنطقة الجنوبية من جزيرة البحرين حيث أرى التقارب بين اليابسة والبحر -وهكذا هي البحرين من كل الزوايا- ثم أجتاز رأس البر والبحر الرائق المؤدي إلى جزر حوار حيث جنة الحياة الفطرية التي أوجدتها إرادة الخالق سبحانه.
وعندما أنظر من الجو إلى أرض البحرين أراها صغيرة المساحة والامتداد أفقيًا، لكني أشعر كم هي كبيرة عموديًا في العمق وهي تحمل طبقات الحضارة عصرًا بعد آخر. عند هذه الظاهرة أرى أن يتوقف الباحثون في جذور المجتمع المدني البحريني.. فمن هذا التعايش المبدع تنامى هذا المجتمع العريق.
ففي تضاريس هذه الجزر ترى مدافن العصر الدلموني بما تحكيه من ملاحم في الدين والتجارة والتبادل الحضاري بين وادي الرافدين ووادي السند، وهي تجاور آثار حضارة تايلوس اليونانية التي تركت على أرض البحرين أجمل عقودها البلورية إلى جانب ذكريات الاسكندر المقدوني وحلمه الكبير في «عولمة» قبل أوانها!
التعايش الفكري
وتروي لنا هذه الطبقات التاريخية من كتاب الحضارة أن البحرين في مطالع عصرها العربي، شهدت حرية اعتقاد لا مثيل لها. وهذا ما يفسر في تقديرنا، لماذا ازدهرت المعتقدات الهندية والمسيحية في هذا الجانب من الخليج متخذة من أرخبيل البحرين مركز انطلاقها. وما زالت قرى البحرين، مثل «الدير» تحمل أصداء هذه المرحلة ومعتقدات عدة في تجاوز سمح وتنوع مدهش.. وهذه هي البحرين ومجتمعها المدني.. البحرين التي تنادينا للتكاتف والإصلاح والوحدة الوطنية.
ولأن تاريخ البحرين الحضاري استمرار وليس قطيعة، فإن هذه التعددية الفكرية انعكست عبر عصور الإسلام تعايشًا وتفاعلاً وكانت مختلف الفرق الإسلامية تجد في هذه الجزر، الملتقى السمح في ظل تفاعل الدولة العربية الإسلامية الواحدة.
ولم تتوقف هذه الجزر، على صغرها، عن الإشعاع والعطاء الفكري والروحي للمنطقة المحيطة بها. وإذا كانت المراكز الثقافية في جزيرة المنامة، كالبلاد القديم والخميس، قد زودت بعض بلاد الجوار بالعلماء والدعاة، فإن مدينة المحرق قد جددت النمط العمراني والتجاري والثقافي لمدينة الزبارة، أول مركز حديث للتجارة والثقافة في الخليج، وهي تستقبل شيوخها ورجالاتها وعلمائها والحرفيين المهرة من أهلها. وأصبحت المحرق من منطلق هذا الإرث عاصمة الغوص والفن، بل مركز السياسة وكرسي الحكم في عهد والد الجميع المغفور له، الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، مؤسس الدولة الحديثة في مملكة البحرين، بعد المراحل التاريخية الأولى لعهود الأجداد المؤسسين.
البيعة
لم يكن الشيخ عيسى بن علي حاكمًا عاديًا جاء بطريقة تقليدية في توارث الحكم. فعندما جاء عيسى بن علي إلى البحرين، بعد اضطراب الأحوال فيها، كان شابًا جريحًا أعزل. لم يأتِ قائدًا لجيش أو غازيًا لموقع. وعندما جاء كانت في استقباله «بيعة» من رجالات البحرين، مثلت توافقًا بينهم على توليه الحكم لتجنب الفتن واستتباب الأمن وتفرغ المجتمع لحياته المعتادة.
كانت هذه البيعة هي البيعة الأولى، ضمن بيعات ثلاث سيأتي إيضاح المعنى التاريخي لكل منها على حدة. ويمكننا هنا أن نلتمس بداية النبض السياسي لمجتمع البحرين المدني في التوافق على هذه البيعة التأسيسية التي أثبتت جدواها رغم حراجة الظروف في صيانة كيان البحرين والحفاظ على السلم الأهلي لمجتمعها. ولقد كان الشيخ عيسى بن علي وفيًا لمبادئ هذه البيعة الوطنية الحرة التي استهل بها عهده، الذي وفر للبحرين استقرارًا وأمنًا لعقود كانت أثمن الأوقات في تاريخها لأنها أتاحت لمجتمعها المدني الذي عرضنا لجذوره في التاريخ، أن يتنامى تدريجيًا مع انطلاقة النهضة العربية الحديثة في عواصمها الكبيرة، وذلك حسب سنة التطور الطبيعي، سواء في ميادين الغوص والتجارة أو التعليم الأهلي النظامي وكذلك التنظيم الجمركي والنمو العمراني، ما أدى إلى تبلور وعي وطني سياسي، مصاحب لحركات الاستقلال والشورى في العالم العربي، تمثّل أواخر عهده في المطالبة بمجلس للشورى في البلاد، وهو تطلّع وطني وافق عليه الشيخ عيسى بن علي، بل وشجّع المطالبين به تفاعلاً مع تطلعات شعبه وتأكيدًا لاستقلال بلاده. إلا أن المؤثرات الخارجية المهيمنة حينئذ جمّدت هذه الحركة المشتركة بين الحاكم والشعب باعتقال قادة المطالبة بالشورى ونفيهم خارج البلاد، ثم بعزل الشيخ عيسى بن علي نفسه، ما كان له أعمق مشاعر الحزن في العالم العربي.
وقد سجّل الكاتب اللبناني النابه أمين الريحاني أصداء تلك المرحلة المتفتحة في كتابه الشهير (ملوك العرب)، الذي خص البحرين وملوكها وتاريخها بفصل مطوّل جدير بالاطلاع إلى يومنا هذا، لأنه يسجّل عراقة النهضة السياسية والحركة الوطنية في البحرين، والتي كتّب عليها التعثر بعد اعتزال الشيخ عيسى بن علي.
ومن تلك التجربة، وفي وقت اشتدت المؤثرات الخارجية على معظم البلاد العربية وليس على البحرين فحسب، اتضح أمام ابنه ووريثه الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، الذي ناب عنه في تولي مهام الحكم في السنوات الأخيرة من حياته، ثم تولى رسميًا من بعده عام 1932، اتضح للشيخ حمد أنه حفاظًا على كيان البحرين وحفظًا لمصالح شعبها وتقدمه أن يتجه بها -وبعيدًا عن المواجهات غير مأمونة العواقب- إلى طريق التحديث بتعزيز نظام التعليم العصري، كما تمثل في مدرسة الهداية الخليفية التي أنشئت منذ عام 1919، وبمواصلة إصدار القوانين المدنية، وإنشاء الإدارة الحكومية الحديثة، والشروع في التنظيم البلدي، الأمر الذي جعل البحرين في ثلاثينيات القرن العشرين منارة حقيقية للتطور، وكان دافعو الضرائب البلدية يصوتون في انتخاباتها حسب تنوعهم الاجتماعي، بما فيهم النساء. ويمكن القول إن البحرين في تلك الفترة -حكومة ومجتمعًا مدنيًا- عرفت كيف تستفيد من الغرب لحضارة وتحديث وتقدم، وأن تتجاوز وجهه الآخر كالاستعمار وهيمنته.
ومنذ تلك الفترة المبكرة استقر نظام الحكم على تولي الأبن الأكبر للحاكم مسؤولية الحكم بعد أبيه، للمرة الأولى في المنطقة. وكان هذا العُرف بمثابة التمهيد الدستوري الذي أتاح للمجتمع المدني استمرارية نظامه دون تقلبات، واستقر التقليد على تكليف ولي العهد القيام بالمسؤوليات العامة والتعرف إلى المواطنين في وطن لمجتمعه المدني معاييره الدقيقة في التقييم والمساءلة.
وما كلّفنا به ولي عهدنا، صاحب السمو الملكي، الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، من متابعة للقضايا العامة عن طريق التحاور مع الأوساط الوطنية، هو استمرار لنهج الحكم مع الأخذ في الاعتبار التطور السياسي، وتعزيز المشاركة الشعبية في سياق المشروع الإصلاحي.
ولأن المجتمع المدني يجد عموده الفقري في طبقة متوسطة نشطة وواعية تحافظ على التوازن الاجتماعي بين الطبقات الأخرى، وتجسّد ثقافة الاعتدال في فكرها السياسي، وتتقبل التعددية الليبرالية وشرطها الديموقراطية والدستورية، فإن نمو هذه الطبقة في مجتمع البحرين كان من أبرز التطورات الاجتماعية والسياسية في تاريخها الحديث، حيث يمكن اعتبار عهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، ثم عهد الوالد، المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، من أخصب الفترات لنمو الطبقة المواكبة للنهضة التعليمية والتجارية المصاحبة لاستثمار الموارد النفطية في خطط التنمية الشاملة.
وقد أسهمت هذه الطبقة المتوسطة في تعزيز وترسيخ مفاهيم ومؤسسات المجتمع المدني، وإلى استئناف حركة الإصلاح الوطني التي بدأت أواخر عهد الشيخ عيسى بن علي، حيث اتسعت دائرتها في خمسينيات القرن العشرين فشملت مختلف فئات المواطنين، كما تمثل ذلك في هيئة الاتحاد الوطني والتجمعات الوطنية الأخرى المماثلة الجديرة بالاهتمام، حيث عبّرت عن تطلعات مجتمعها، متمسّكة بالولاء لشرعية الحكم الوطني، وطالبت بمجلس تشريعي، ولكن التاريخ أعاد نفسه أيضًا بتعثّر هذه الحركة التي أعدنا إليها الاعتبار مع انطلاقة مشروعنا الإصلاحي من منطلق أن الرأي الوطني المخلص مسموع ومقبول، وإن جاء من موقع الاختلاف مع الحكومة، بقصد تحسين أدائها، وجلّ من لا يخطئ.
البيعة الثالثة
بعض هذه التطورات قرأت عنها أو سمعتها ممن عاصروها وتحققت منها، إلا أن أكثرها أثرًا في النفس والفكر ما عايشته بنفسي شابًا يافعًا، سواء على الصعيد الرسمي أو المدني الشعبي. ومن أبرزها «البيعة الثانية» في تاريخ الدولة الحديثة، وذلك عندما جاء المندوب الدولي مبعوثًا من الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة عام 1969م، من أجل تقصي الحقائق عن رغبة شعب البحرين بشأن مستقبل بلاده حيال مطالبات شاه إيران الباطلة بالسيادة عليها.
في هذا المنعطف، لا يمكن للتاريخ أن ينسى موقف شعب البحرين الذي هب كرجل واحد لتأكيد تمسّكه باستقلاله وعروبته وشرعية الحكم الوطني الذي كان رمزه في تلك اللحظة التاريخية الوالد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه. وإذا كانت وثائق هذا الملف تمد المؤرخين والباحثين بمختلف التفاصيل والخلفيات لسير قضية البحرين العادلة، على الصعيد الدولي والعربي والإقليمي - وهو ما نتركه للمختصين - فإن الحقيقة الكبرى التي ينبغي تسجيلها في هذا السياق هو أن المنظمات غير الحكومية للمجتمع المدني البحريني من أندية وجمعيات ثقافية ومجالس أهلية هي التي أبدت استعدادها للقاء المندوب الدولي وفريقه الزائر لإبلاغه بموقفها وموقف شعب البحرين في هذا الأمر.
ومثلت عملية استقصاء الحقائق هذه نصرًا باهرًا للبحرين - قيادةً وحكومةً وشعبًا - وصدّق مجلس الأمن الدولي على تقرير مندوب الأمين العام ودخلت البحرين منتدى الدول المستقلة، ذات السيادة الكاملة، وهي الصفة التي كانت تمتلكها وكافحت من أجلها في ظل حكامها وقادتها، إلى أن كتب الله لها هذا النصر، وبالنهج المتحضر الذي اعتمد على وعي وتنظيم مجتمعها المدني. هكذا تجددت البيعة الثانية بتمسك شعب البحرين بشرعية حكمه الوطني المعبّر عن استقلال كيانه في ذلك عبر الإدلاء بالرأي الذي شارك فيه مواطنو البحرين في كافة مدنهم وقراهم وجزرهم النائية، على مرأى من المجتمع الدولي كله وبشهادة مندوبيه، فدخلت التاريخ.
أما البيعة الثالثة التي شهدها جيلنا المعاصر، شبابًا وكهولاً.. رجالاً ونساءً، فتمثلت قانونيًا في الاستفتاء الشعبي العام على ميثاق العمل الوطني يوم 14 فبراير 2001، وذلك ما عرضنا له تفصيلاً في حديثنا الأول، ومنها ومن مفاهيمها المتضمنة في «الميثاق» أعلنا الملكية الدستورية، السقف الأعلى لمجتمعنا المدني، والمنسجمة مع طبيعتها المنضبطة بمبادئ الدستور والقانون، وبما يعده ويؤهله لحكم نفسه عن طريق مؤسساته الدستورية باتجاه المزيد من التطور والتقدم، حيث أثبت هذا المجتمع عبر تاريخه امتلاكه للقدرة على التطور المستمر. ومن أهم ما يسجل لهذا المجتمع، أن الحقوق السياسية للمرأة، ترشيحًا وانتخابًا، كما نص عليها «الميثاق» - على ما يحاط بها من تعقيدات في هذه المنطقة من العالم - قد رحبت بها وباركتها الإرادة الشعبية العامة، وبشكل متحضر وسلس وبمشاركة كافة العلماء ومكونات المجتمع بلا تردد، وهي من المآثر التي ينبغي تسجيلها للوعي الوطني في البحرين بإشعاع مجتمعه المدني.. هذا المجتمع الذي سنعمل معه بعون الله إلى التفاعل المؤدي إلى تلبية تطلعاته في التجديد الدستوري والديمقراطي ضمن مشروع الإصلاح الشامل، على الصعيد السياسي، فلقد عرفته على الصعيد الشخصي منذ الصبا في المدرسة والملعب والحي، وفي المدن والقرى، وفي كل ساحة حضور وتفاعل على امتداد الوطن، وعايشت نبضه، ولي من بين أفراده أصدقاء وأحبة وزملاء درب، ستبقى الروابط معهم، ومعه، بإذن الله مدى العمر.
القناعات الفكرية
هذا الحديث ليس بحثًا حصريًا في تاريخ مجتمع البحرين وطبيعته وخصائصه، لكنها شهادة حق وضمير أردت تسجيلها كواحد منه للحقيقة والتاريخ، ومن واقع المعايشة والتفاعل الحميم معه. ولعل الدراسات البحثية الجادة في مستقبل الديمقراطية وتنميتها تتصدى لمثل هذه الدراسات المعمقة. لكني باختصار، أود أن أسجل بعض القناعات الفكرية بشأن المجتمع المدني، في البحرين خاصة، وفي الخليج بصفة عامة:
أولاً: إن المجتمع المدني البحريني قد بلغ من التطور والنضج بحيث أصبح قادرًا على حكم نفسه بمظلة عادلة ومنصفة في الإطار الدستوري، وهو يستحق الحكم الصالح، وفي مقدرته أن يساعدنا عليه. والمبدأ الأساسي الذي ننطلق منه، في هذا المفهوم، إن الإنسان حر في قيمه وفكره، وفي التصرف بما يملك، وفي بيته وبين أهله، وجميع خياراته لا تقف حريته إلا حيث تبدأ حرية الآخرين، كما يحددها القانون للجميع. وهو رأي نؤكده في أغلب لقاءاتنا مع أصحاب الرأي من الصحفيين والكتاب، فإنه بالنسبة لنا، لا حدود لحرية التعبير إن كانت لأهداف وطنية، وبها يستطيع المواطن أن يبدع إلى أبعد حد، ولكن بشرط أن يتحرر من أية تبعية تشده بوثاقها.
ثانيًا: لا بد أن نميّز موضوعيًا بين مفهوم «الرأي العام» الوطني الذي هو محصلة توافق مؤسسات المجتمع المدني، وبين «رأي الشارع». ومنذ البدء كنا نرجّح الرأي الأول لأنه نتاج التحاور العقلاني الحر والهادئ، والإيمان بالممارسة الديمقراطية وحرية الاختلاف في الرأي. أما «رأي الشارع»، فيمكن أن يهيجه أي منبر، وما أكثر الكوارث العربية التي نجمت عن هياج الشارع وتهييجه. بل أن الحكم الشمولي، المعادي بطبيعته، لتعددية المجتمع المدني وحرياته، لأنه منهج الحزب الواحد، والرأي الأوحد، قد مارس طويلاً اللعب بعواطف الشارع وتضليل البسطاء من المواطنين، لتحقيق أغراضه الشمولية في التسلط.
ثالثًا: وعليه، فلا ينبغي أن نأخذ تقدم المجتمع المدني، والتقدم بعامة، كأنه تحصيل حاصل. فهو محصلة جهد وكفاح طويل من أجل التطور. لذلك لابد من حراسة التقدم وتحصينه باستمرار، بالتربية الصحيحة والتوعية الوطنية المستنيرة، والإصرار على ادخال مختلف فئات المجتمع ومكوناته في إطار المجتمع المدني الواعي، بالتعليم والتنمية الشاملة ورفع المستويات الاقتصادية للمواطنين لتستمر مسيرة نمو المجتمع المدني، ولا تتعرض للانتكاس أو الانحسار.
رابعًا: إنني وتقديرًا مني لنضج المجتمع المدني البحريني، واحترامًا لتعددية الآراء والاجتهادات السياسية ضمن تشكيلاته، وجدت من المناسب إتاحة مجال العمل السياسي للجمعيات المهتمة بذلك، لتمارس حرية العمل، وقد استبقنا مرحلة التشريع والتقنين بهذا القرار لتشاركنا مسيرة الإصلاح والانفتاح، بالمشاركة الإيجابية وليس بالمقاطعة التي أثبتت كافة تجاربها فشلها بتصديها للتطور البرلماني الدستوري الذي هو أساس وجوهر أي عمل سياسي يسعى للتطوير والإصلاح من داخل البناء الوطني لا من خارجه.
خامسًا وأخيرًا: إننا وإن قصرنا حديثنا هذا على المجتمع المدني في البحرين، فإن له صلات وثقى وعلائق نسب مع نظائره من المجتمعات المدنية في دول الخليج العربية الشقيقة. صحيح أن بعض هذه المجتمعات، ومنها مجتمع البحرين، قد أتيحت له فرص التطور والتحرك قبل غيره لظروف اجتماعية وتاريخية، ولكننا اليوم في عصر المتغيرات والمستجدات المتسارعة، وبتأثير وسائل الاتصال المكثفة، قد أصبحنا في مسار واحد، فالسرعة متقاربة والوجهة متشابهة، سواء نظرنا إليها من زاوية هذه المستجدات، أو نظرنا إليها بصورة أعمق من زاوية التماثل القوي بين شعوبنا وأنظمتنا الاجتماعية والسياسية بدول مجلس التعاون. فها هنا أنظمة حكم نبعت من بيئاتها المحلية ومن التحالفات الطوعية بين مكوناتها، فشاركت شعوبها السراء والضراء، ولم تكن أنظمة تسلطية أو دموية، منعزلة عن الناس، بل بقيت طوال تاريخها على اتصال بهم، واستماع لاحتياجاتهم بالطرق المتعارف عليها في مجتمعاتهم.
وصحيح أن الكمال لله سبحانه، فلا أحد يدعي الكمال، ففيما يخصنا في البحرين، فإن إقدامنا على الإصلاح الشامل، وتجديد المسيرة تعبير عن عزمنا الأكيد على تجاوز حالة السكون والوقوف عند حد معين وذلك لمواكبة حركة العالم والعصر. والأهم من ذلك الاستجابة لتطلعات شعبنا وإرادته في التغيير نحو الأفضل. وما كان ممكنًا تحقيق ذلك في البحرين، أو في شقيقاتها، لولا حرص أنظمتنا على استقطاب الكفاءات المتعلمة في بلادنا لخدمة التطور والتنمية، حيث نرحب بتخرج كل طبيب ومهندس وخريج، ونحتفي بذلك، ونحرص على بقاء هذه الكفاءات وعدم اضطرارها للهجرة، كما هو نزيف الأدمغة في الكثير من بلدان العالم النامي، فهذه الأدمغة هي أثمن ما لدى الأوطان من ثروات وهي ثروتنا الكبرى في البحرين بلا منازع.
وقبل إنشاء البرلمانات ومجالس الشورى وغيرها، حرصت قيادات الخليج على مشاركة العناصر الشابة المتعلمة في الوزارات والتشكيلات الحكومية وما تزال. وكلما تقاربت اليوم مستويات التطور التحمت المجتمعات المدنية الخليجية في مسيرة واحدة، والتقت المشاعر الوجدانية والتوجهات السياسية، وهي ظاهرة نراها تتنامى - بفضل الله - بين مجتمعاتنا الخليجية كافة مع الاستجابة لنداء التقدم. بل أن مثل هذا التلاقي المدني الخليجي يمكن أن يؤسس للوحدة بين دوله، ونحن على أتم الاستعداد لها في البحرين، بالصيغ التي يراها الأشقاء مناسبة.