مرت سنة أو تكاد.. ونتذكر في نهاية الحرب العراقية الايرانية, وعندما فرضت الظروف الدولية والاقليمية وقف هذه الحرب اعلن الامام الخميني مرشد الثورة الايرانية وهو يوقع على اتفاقية السلام بانه يوقع وكأنه يتجرع كأسا من السم. ولا ندري ما هي الظروف التي صاحبت توقيع تلك الاتفاقية لوقف حرب العشرة اعوام, وما هي الاسباب العلنية والخفية التي دفعت الامام الخميني للتوقيع, الا ان التوقيع على تلك الاتفاقية حتى لو كان بمثابة تجرع السم, الا انه ادى في نهاية الامر إلى وقف الحرب التي اكلت البشر واكلت الاخضر واليابس, وقد ادى توقيعها فيما بعد إلى تداعيات كثيرة مازالت نتائجها مستمرة. وهنا في البحرين ربما قرأ البعض او لم يقرأ تصريح وزير العدل الذي اعلن بانه يجب علينا ان نتجرع الدواء العلقم او المر من اجل ايقاف وعلاج ما حدث من تمزيق لهذا الوطن وهذا الشعب والبحث عن العلاج الناجح. مرت سنة أو تكاد.. ونتذكر انه بات من الواجب علينا ان نتوقف عن ما نحدثه في انفسنا من خراب, وبات من الضروري الآن قبل الغد ليس على النظام او على المعارضة بمختلف اطيافها او على مؤسسات المجتمــع المدني, بل على كل واحد منا ايا كـان موقعه او مكانه او مكانته ان يتجرع العلقم المر او ان يشرب حتى كأس السم من اجل مصلحة هذا الوطن وهذا الشعب. الآن شئنا ام ابينا.. قبلنا ام رفضا.. رضخنا ام كابرنا.. حدث الشرخ والتمزق كأن قدرا اغريقيا فرض علينا, كأن فوهة السماء فتحت ابوابها وانهالت علينا لعنات كل الآلهة الغاضبة: آلهة الحرب وآلهة الشقاق وآلهة الحقد والحسد وآلهة الشر, كأننا صرنا مرصودين باللعنات, وكانه كتب علينا ان لا نشطر انفسنا في المناطق السكنية ولا في مواقع العمل ولا في المدارس وفي الجامعات فقط, بل وصلت الخطورة إلى تشطير ذواتنا ونفوسنا وقلوبنا وعقولنا. اصبحت عينا شعب هذا الوطن حولاء تنظر كل عين منهما في اتجاه مختلف وصارت الواقعة لها روايتين مختلفين ورؤيتين مختلفتين. مرت سنة أو تكاد.. ونتذكر ان ما نرصده وما نراه وما نقرؤه وما نسمعه يثير فينا الغضب واليأس والاحباط ونحن نرى في كل مفترق ضحية تسقط وهناك من يتعطش للعبث بدم الضحايا, ونرى في زوايا الوطن آثار المعارك الليلية بين اولئك المتظاهرين الغاضبين وبين قوات الأمن.. وكل طرف في هذا الوطن الممزق يقرأ ما يحدث من سور وآيات ويقسمها إلى معسكرين: معسكر الاشرار ومعسكر الاخيار كأن لا يوجد معسكر للبشر الوسط وانظروا مواقع التواصل/التفكك الاجتماعي. صرنا نحن الناس الوسط والوطن الوسط كأن لا حول لنا ولا قوة, ونحن نرى اولئك الإمعات الذين يتمصّلحون من وراء ما يجري في الوطن ويستحلبون كل ما في الضرع من حليب من اجل المال ومن اجل الوجاهة ومن اجل سماع صوت التصفيق الرخيص الذي تناله الديوك المتصارعة على ساحة الوطن او ساحة الفضائيات ورأينا منظمات واجهزة وعواصم دول تريد ان تستحوذ وتحقق اكبر المكاسب الاقليمية على حساب وطننا وشعبنا وانظروا إلى كل تلك التنقلات اللوجسيتية وتلك المؤتمرات والمهرجانات والندوات والتصريحات واللقاءات السرية وغير السرية والصفقات التي تجري تحت الطاولات تبيع وتشتري فينا بدءا من واشنطن ولندن وباريس, وانتهاء بكل العواصم الاقليمية التي تحيط بنا من انقره وبغداد وطهران ودمشق وبيروت كان لم يعد شاغل الدنيا سوى «منامتنا» ذات الموزاييك الجميل الذي تحول إلى شظايا متناثرة متناحرة. مرت سنة أو تكاد.. ونتذكر ان نصل السكين المسلط على رقابنا كاد ان يحز الوريد, واذا وصلت السكين على نقطة اللاعودة فلا يمكن ان نعيد لحم ما انكسر وصار شضايا.. وصلنا إلى ان نصل السكين صار يحرحر رقابنا ورقاب امهاتنا واطفالنا ونسائنا وآبائنا, وعند ذاك الحد لن يفيد بكاء على اللبن المسكوب, ولا على كل ما يتدفق من فتن طائفية وحروب اهلية ولا مجازر بشعة كما شاهدنا ونشاهد ما يحدث في العراق, او ما شهدنا قبلها في لبنان ونحن نتساءل كيف صار هذا الشعب اللبناني المثقف يقتل بعضه بعضا على الهوية وعلى الغلفة وهكذا نحن كدنا ان نفعل ما فعلوا, وهكذا نحن نشاهد تحطم تلك القشرة الحضارية التي شيدت في مائة عام او اكثر وها هي تتحطم في اكثر من عاصمة عربية وتعيدنا إلى عهود الطوائف والمذاهب والاثنيات والاعراق والاديان وصرنا مسرحا او مرسحا لكل اولئك الذين اعدوا وعملوا على صناعة الاحداث وتجهيز الممثلين والكادرات وحتى في ادق التفاصيل من الكاميرات والميكروفونات والشاشات الملونة مع قائمة التعليمات التي يجب ان تنفذ! هل يستطيع احد ان ينسى اوباما وكلينتون وهما يصدران تعليماتهما للعواصم العربية؟! لقد سقطت للاسف كل الثوابت التي كانت تجمعنا على مدار مائة عام وعام من هذا الوطن العربي الكبير, سقطت ثوابت بنيناها حجرا حجرا, بدءا من التحرر من السلطنة العثمانية والاستعمار الانجليزي والفرنسي والايطالي والأحلاف الامريكية وحلم بناء وطن عربي كبير وحلم تحرير فلسطين.. وبهذا السقوط المدوي الكبير تشظت كل الثوابت وطغت كل الاختلافات.. فلم نعد عربا ولا مسلمين ولا مواطنين ولا.. ولا.. صرنا كما في افلام الرعب الحديثة.. ننظر من خلال الاقنعة المشوهة, صرنا ننظر من خلال الاقنعة المذهبية والطائفية والعرقية والاثنية والقبلية اذ سقطت الجوامع المشتركة وطغت كل الاختلافات البشعة. مرت سنة أو تكاد.. ونتذكر السؤال الاول: هل تقدر البحرين ان تعود إلى ما كانت عليه ما قبل 14 فبراير 2011؟! هذا سؤال افتراضي موجع وفي الواقع يستطيع اي مبتدئ في علم السياسة ان يقول وهو مطمئن: كلا لن تعود البحرين إلى ما كانت عليه ابدا! وامنية العودة إلى ما كنا عليه ربما تشكل حلم السذج او اولئك الذين لايزالون يملكون في قلوبهم تلك البراءة المفقودة.. هذه البراءة التي لا وجود لها في عالم السياسة القذرة.. وهذه الامنية اصبحت وهم الواهمين التي تتطلب اول ما تتطلبه تلك النبتة المزروعة في فطرة كل قلب الا وهي النيات الحسنة، تقبل الاخر المختلف، التعايش، السلم الاهلي، الخ... هل هذه موجودة في قلوبنا؟ وكم سنة تحتاج البحرين وشعبها لكي تعود كما كانت؟! والسؤال الثاني: هل نكون قادرين على تجاوز هذه المحنة واقتناص هذه اللحظة التاريخية التي تتشكل امامنا ونقبض عليها بايادينا وحتى باسناننا حتى لا تفلت منا؟ وكم من الفرص ضاعت منا ولا يجب ان نضيع هذه الفرصة المتاحة حتى نتجاوز محنتنا والنفق المسدود الذي وصلنا اليه ولا بصيص في الافق رغم نوايا كل الناس الطيبين الذين يحملون في اعماقهم النيات الحسنة ولكن هذه النيات توأد وتقتل وهي اجنة في قلوب اصحابها. ما الحل؟! من يقدر ان يأتي بالحل الذي رغم كل الافكار والمقترحات والحلول والحلول المضادة لا تشكل حلا, لان الحل السحري المطلوب لايزال بعيدا ويقبع في مستنقع الحلول السياسية التي لا تفهم العفوية ولا الطيبة ولا البراءة ولا المحبة.. انها كما كتب ذات مرة شكسبير تتطلب دفع دين شيلوك. الدم او رطل اللحم مقابل الدين! مرت سنة أو تكاد.. ونتذكر كنا في بساطة ايام الفقر الذي كان يخيم بنسب متفاوتة على الجميع, وعندما ينكسر «طبق الصيني» كنا لا نرميه, بل نحاول لحمه مجددا با (السيم) ونواصل استخدامه, والآن هل يمكن اصلاح طبق الوطن المكسور والنفس المكسورة والروح المكسورة, والشعب المكسور والمنقسم إلى شظايا؟! الجواب: نعم يجب لحم الكسر/الشرخ. انا لا ارى حلا آخر. نعم يجب. نحن لم نصل بعد إلى مرحلة رمي الوطن المشروخ, فلا ترمى الاوطان في القمامـة, ولاتزال الاوطان ثمينة على النفوس رغم اغراءات الدول الاخرى فوطني عزيز وان جار عليّ قومي، ولا احد يستطيع ان يغير شعبه بسهولة تغيير الملابس, فلا يوجد شعب مثل شعبنا ولا نستطيع ان نوكل حل قضايانا إلى حكومات دول اخرى. الحل في المقام الاول والاخير هو بايدينا نحن.. الحل يجب ان يكون بحرينيا بامتياز. صحيح, اننا وصلنا إلى مرحلة كأن كل طرف منا يريد الغاء الاخر والقضاء عليه بالسقوط والتسقيط والموت والدمار, وكأن كل ما جمعنا على مدار العهود قد غدا هباء منثورا, وكأن الطعام الذي جمعنا صار علينا زقوم, وكأن المياه التي شربناها صارت انهرا من ملح وكأن هواءنا تشبع برائحة الكبريت, وكأن نفوسنا غدت هائمة في ملكوت الشر ولكن هذا هو ضد الطبيعة الانسانية البحرينية التي تشربناها من حليب امهاتنا الطيبات. لقد آن الاوان لنتجرع العلقم او نشرب حتى كأس السم, فلا يهم الامر ان كان من اجل الوطن وهذا الشعب. مرت سنة أو تكاد.. ونتذكر السؤال الثالث: كيف نتجاوز انفسنا وايديولوجياتنا ومذاهبنا وطوائفنا واحقادنا لنخرج من بين انقاض متاريسنا وخنادقنا مثل طائر الفينيق الذي ينبثق من تحت الرماد, وان نجتمع في براحة من براحات الوطن, نعطي انفسنا هدنة, نعطي وطننا هدنة, نعطي ارواحنا هدنة, من كل هذا الشحن الطائفي والمذهبي وهذا السباب والتنابز السياسي والتخندق وراء متاريس المقاطعة والمقاطعة المضادة والتفنن في كل يوم في ابتكار آليات الشر وكل ما يضر هذا الوطن والناس كأن هذه الاضرار لن تطال كل واحد منا.. كأن هذه الاضرار سوف تضر طائفة ولا تمس اخرى.. كأن.. دعونا نذهب إلى براحة الوطن, او الهدنة, او الفسحة سموها ما تشاؤون لنذهب عراة الرؤوس عراة النفوس, عراة القلوب, عراة الارواح, ننتقذ ذواتنا قبل انتقاذ الاخرين, نقيم ممارساتنا ومواقفنا, ظروفنا, دواخلنا وخوارجنا, دعوا حدقات اعيننا تتلاقي, فربما نلمح بارقة امل في احداق العيون تعيد لنا ذكريات جميلة عشناها معا ونتمنى ان تعود.. دعونا في ابسط مبادرة ان نوقف كل تلك الشحناء وفحش السباب والدعوات إلى الموت التي تقودنا إلى الرد والرد المضاد وتقودنا إلى الاسوأ الذي لم يأت بعد.. دعونا نسمع اصوات بعضنا بعضا دون متاريس ولا مسيلات دموع ودون سد الطرقات ولا رصاص مطاطي ولا سلندرات او حرائق. دعونا.. دعونا.. دعونا ان نأخذ هذه الكلمات على محمل الحب لوطننا ولشعبنا, دعونا نقول لكل اولئك الذين يعتقدون ان ما في اذهانهم وعقولهم وقلوبهم من حلول ايديولوجية متطرفة تصر على تقسيم الناس والوطن فإننا نقول باعلى صوت بأن هذا ضد جغرافية الوطن, وضد تاريخ الوطن, وضد طبيعة شعب هذا الوطن. دعونا نؤمن بسياسة لا غالب ولا مغلوب في هذا الوطن وهذا الشعب. ليس هناك خيار سوى خيار هذا الوطن الواحد لكل اطياف هذا الشعب وليس هناك خيار آخر سوى هذا الشعب بكل مكوناته, ودعوا العدل يساوي بينهم, ودعوا الناس يتخلصون من انتماءات الاختلافات المذهبية والطائفية والتي تغولت فيهم مقابل اضمحلال ثوابت الدين والقومية والمواطنية. مرت سنة أو تكاد.. ونتذكر دعونا نبدأ من مكان بما. نبدأ. دعونا. من مكان ما.