عِبارةٌ شعبيةٌ مُتقنة رَدَدَتها الجَدات كثيراً «الحِنة ريحة الجنة»، ترسيخاً لمقولات الكبـار، وسعياً لغرسِ جذورِ العادات والتقاليد التي توارثناها من الأجداد في الأجيال القادمة، لازالنا مستمرين في إحيــاء ليلة الحنة، ولازال الكثير من الفتيات أيضاً و بمختلف أعمارهن يقْبلن على الحنــاء في مناسبات عِدة. بحثـنا في مناطق البحرين فوجدنا فتيـات موهوبات، أرادوا لهذا الموروث الشعبي أن يستمر، فأطلقوا العنان لمواهبهم، وزينوا الأيدي بزخارف عصرية أنيقة.. من حُب الرسـم، استمدوا الموهبة، فبدأوا النقش على كُفوف القريبات، إلى أن أصبحوا «حنـايات مطلوبات» داخل البحرين وخارجها، ومنهن من إختصت نقوشها «للعرائس فقط». أولى الوقفات.. كانت مع الحناية ولاء، التي كان لها صفحات تفاعلية على شبكة الإنترنت، تحمل زخارفها وتعليقات تُحفزها للمواصلة، ولاء.. تكلمت لنا عن بدايتها.. نقوشها وطموحها... ربما هي البداية غير المقصودة، فولاء كانت ترسم لأنها تُحب الرسم، لكنها وجدت يدها تنساب تجاه النقوش والزخارف، أما أيدي القريبات والصديقات فلها الفضل، فقد كانت أولى التجارب، وليست أي تجارب، بل هي التجارب الناجحة فمن أيديهم كانت الإنطلاقة وتحديداً عام 2009 بدأ اسم ولاء «الحنــاية» ينتقل بين الناس، وتعرفوا على زخارفها. سألناها من شجعك لتنمية هذه الموهبة قفالت «لخالاتي فضل كبير عليَّ، فهم من شجعوني»، ولم تكتف ولاء بموهبتها التي استمدتها أساساً من الرسم، بل التحقت بدورة تدريبة لنقش الحنـاء حتى تنمي مهاراتها، وبعد ذلك أنشأت صفحات على شبكة الإنترنت لعرض نقوشها، فزاد تردد الزبونات عليها. خلطـات الحناء.. وعن مكونات الحناء، حدثتنا ولاء، وأوجدت بعض الفروقات بين الخلطة السابقة والحالية فقالت «كانت خلطة الحناء خالية من البترول والصبغات، أما الآن ففيه عدة مكونات منها» صبغة ميسو «وعشبة الكاركديه، وملح الليمون»، وتلك المكونات تساهم في تثبيت لون النقوش على أيدي الزبونات. ومن مكونات الحناء لنقوشه، حيث تُخبرنا أن هناك عدة مسميات للنقوش منها الهندي والإماراتي والبحريني والعماني، وهي تقوم بمعظمها، لكنها تميل إلى المخلوط «هندي إماراتي». ولفك غموض تلك المُسميات وصفت ولاء الأنواع قائلةً: في السابق كان هناك «القصعة و العجين» والأخير لازلنا نقوم به وهو دارج حالياً، لكن مع شيء من التحديث، فاليوم لا حاجة للعجين، بل نكتفي بعمل نقوش عريضة مع زخارف أخرى. وتابعت: «أما النقوش فهناك الحناء العماني – الإماراتي – البحريني – والهندي، والفرق بينهم أن الإماراتي نقوشه دقيقة ورفيعة وأغلبها تكون ورود أي أنه يعتمد على الورود بشكل أساسي لإتمام زخرفة اليد، أما العماني فالورود فيه كبيرة كذلك النقوش، وما يميزه عن غيره أن النقش فيه يكون «مليان» أي أن اليد تكون مملوءة بالحناء». ورغم تميز الأنواع السابقة إلا أن البحريني كان الأفضل نقوشاً وزخرفةً، فكما وصفته ولاء «النقوش البحرينية معروفة.. ورود كبيرة وفخارات»، أما ميلها الشخصي فكان للنقش المخلوط «هندي إماراتي»، الذي يعتمد على الورود والخطوط والأشكال الهندسية.. وهو الأكثر طلباً حسب ما قالت. إقبال الزبونات.. وحسب ما أشارت إليه بخصوص الإقبال على الحنة: «أن الزبونات يقبلن على الحنة كثيراً في شهر ربيع الأول حتى دون مناسبة، كذلك في فترات الأعراس وأعياد الميلاد»، أما مشاركاتها الأخرى فاقتصرت على المدارس ومهرجانات العيد الوطني. كان آخر الحديث...حُلم تطمح ولاء لتحقيقه، «أطمح لافتتاح صالون متخصص في نقوش وزخرفة الحناء». قطعنــا مسافة، ووصلنا إلى قرية الديه حيث تقطُن الحناية «أم شهد» التي مارست نقش الحناء في يوم مميز بالنسبة إليها فهو يصادف يوم ميلادها وتحديداً في شهر يوليو عام 2002، أما تولعها بالرسم فقد كان واضحاً من صغرها، وإلى اليوم كما قالت لنا «إذا لم يكن لدي زبونات أنقش لهن الحناء، أقوم بالزخرفة والرسم في كُراسات الرسم». أولى النقوش كانت هناك.. حيث كانت تعمل في صالون نسائي، ثم فضلت الاستقلالية وبدأت العمل بشكل فردي، رغم أن قريتها تحمل مواهب في الحناء أيضاً. وعن صقل الموهبة والتشجيع قالت: «تتغير الزخرفة من وقت لآخر، ومع الممارسة يزداد الإبداع ونلمس التطور .. فأنا لاحظت حبي للرسم والزخرفة من صغري وعندما بدأت بالنقش أعجبهم ولاقيت تشجيعا، فاستمريت». الحنة اليمنية أجمل.. أم شهد هي الأخرى فصلت لنا عن أنواع الحناء إنما من زاوية أخرى، حيث الحناء الهندي واليمني، أما الفرق فحسب ما أوضحت «الفرق بينهما أن الأول لونه أخضر داكن وتثبت صبغته من اليوم الأول أي بعد غسله، أما الثاني وهو اليمني فهو أخضر فاتح ويحتاج ليومين حتى يأخذ اللون، لكن لون الحنة اليمنية أجمل بكثير». وواصلت «شخصياً استخدام الحنة الحمراء فقط ، أما السوداء فلا أستخدمها إطلاقاً، حتى إن طُلب مني لأنها تتكون من مواد كيماوية، وعن ما أتقنه من نقوش فالحنة الإماراتي والهندي في المرتبة الأولى لدي، كذلك أنقش حنة العجين لكن بطريقة عصرية وبدون استخدام العجين». إن صح التعبير فأم شهد «تخصص عرائس» فهي لا تنقش لغيرهن ويزداد الطلب عليها في فترة الصيف حيث وفرة الأفراح، وكما بينت لنا أن الزبونات عادةً لا يدققن في مصدر الحناء سواء أن كان يمنيا أو غير ذلك، بل يبحثون عن الصبغة الثابتة والزخرفة الجميلة. قبل أن نختم معها، حملنا إليها استفهاما تكرر على لسان الفتيات كثيراً،«لمَ لايثبت لون الحناء في يدي، بينما ثبت في يد فلانة؟» فأجابتنا بعبارة شعبية جميلة» (إللي يحبها الحنة يصبغ فيها) ذلك كما قيل في السابق، لكن واقعاً ثبات اللون يعتمد على طبيعة البشرة والدم». ختامنا معها كان حول الطموح المستقبلي، وحسب ما عرفنا من أم شهد أنه سبق لها وأن قامت بتعليم نقش الحناء لمجموعات في بيتها، ولكن لانشغالها توقفت فالحنة هواية بالنسبة لها وليس مهنة، لذلك فهي تطمح مستقبلاً لإطلاق موهبتها وتعليمها لمن يرغب من الفتيات لأنها لا تحب أن تحتكر موهبتها لنفسها فقط، وذلك عبر القيام بدورات تدريبية من جديد.. محطتنا الأخيرة كانت في قرية «مقابة» التي تحتضن الموهبة الوحيدة في القرية وهي الحناية منيرة، اختلفت عن السابقات في تأملها، فقد تأملت أيدي الفتيات طويلاً ولاحظت نقوشهن في الأعراس والمناسبات، إلى أن أدركت أن وراء ذلك التأمل موهبة دفينة. انطلاقتها شابهت انطلاقة السابقات، فكفوف فتيات العائلة حملت أولى النقوش، لكن تلك النقوش أبت أن تبقى حبيسة لكفوف العائلة فقط، وأرادت التنويع، ونجحت، ففي الثامن عشر من عمرها بدأت ممارسة الحناء في القرية ثم في مناطق البحرين المختلفة، أما اليوم فالحناية منيرة اسم مطلوب حتى خارج البحرين. اختلافات بين الماضي والحاضر.. عن تاريخ الحناء قالت: «في السابق كانت الأغلبية تطلب نقش العجين، الذي كان يُوضع على شكل خطوط في اليد كتشكيلات هندسية، ثم يوضع الحناء على العجين، وهي نقوش كبيرة الحجم، وفيما يتعلق بالمكونات السابقة أشارت إلى أن الحنة القديمة لا تحتوي على البترول بل تُعجن بالماء». ومن الماضي إلى الحاضر، تابعت: « الحناء اليوم يدخل فيه أدوية وصبغات، أما أنواع النقوش فمع التطور أصبحت النقوش أكثر إتقاناً بل وأصغر حجماً فكما تلاحظون أن الورود والأوراق والزخارف في الحنة العصري تأخذ شكلاً دقيقاً ومتراصاً. منيرة، كزميلاتها تُجيد أنواعا مختلفة من النقش « كالعجين، الهندي والإماراتي « لكنها تميزت بنقوشها الخاصة، فهي تزين أيدي النساء بالجرات والأقفاص ونقوش أخرى تستوحيها من الطبيعة. ورغم تميزها إلا أنها لا تنكر أن الحنايات البحرينيات أيضاً مميزات بنقوشهن الجميلة الدقيقة. وأضافت «لدي معرفة ببعض الحنايات البحرينيات». و بخصوص الإقبال على الحناء وعن مشاركاتها بينت لنا: «الزبونات يقبلن على الحناء الأحمر لتميز لونه خاصة العرائس، أما الفترات التي يزيد فيها الإقبال على الحناء ففي العيدين وفي الأعراس، ومع ذلك شاركتُ في مهرجانات مدرسية وفعاليات خارجية».