إن الحوار الوطني صنع اممًا وشعوبًا ووضعها على الطريق الصحيح نحو الاصلاح في مختلف قضايا الشأن العام والتقدم عن كل كبوه. فتأمل اي مشهد سياسي بكل مستوياته في تاريخ عصرنا الحديث يؤكد ان الصراعات والنزاعات لا تنشأ بسبب وجود الاختلاف والتنوع وانما في العجز عن وجود اطار مشترك يُجمع عليه الناس ويرتضونه في حل خلافاتهم خاصة في التاريخ السياسي للدول الديمقراطية ذات الاحزاب السياسية المتباعدة ايديولوجيا في فكرها السياسي او العقائدي.. لذا يعتبر الحوار الوطني لها النافذة الاساسية لصناعة قاعدة المبادئ المشتركة في اصلاح قضايا الشأن العام وتمتين جدار الوحدة الوطنية... وإلا حل الانقسام والتفرق. فالحوار وحده هو الذي ينهض بشعوب حضارية سوية يذكرها التاريخ في بناء وحدتها ومصيرها المشترك... ومن يدعي او يقول ان الحوار الوطني يدعو المغاير او المختلف الى مغادرة موقعه السياسي في مطالبه نحو اصلاح قضايا الشأن العام فهو مخطئ؛ لان قواعد ومنهجية الحوار تقوم اساسًا على اكتشاف المساحة المشتركة في موقع المطالبات السياسية المختلفة التي تستهدف الاصلاح وبلورتها للانطلاق منها... فالحوار اساس ايمان عظمة ثقافة الشعوب وتأكيد قدرتها على الانفتاح والتواصل مع الجميع.. اما الانغلاق والابتعاد عن الحوار يصنع ثقافة الانفصال داخل الوحدة الوطنية ويدمر مكتسبات مصالحها التاريخية والمستقبلية المشتركة... فالحوار الوطني هو المنطلق الضروري الى التقدم الاجتماعي والسياسي والحضاري ويعيد المتحاورين الى اكتشاف ذواتهم ويقوي خيارات التواصل في حل وحلحلة واصلاح قضاياهم الوطنية والتخلي عن العنف والنبذ والإقصاء على اسس ايديولوجية عقائدية او عرقية او سياسية.. فالحوار الوطني في قواعد منهجيته يستهدف اولاً تفكيك واقع سيئ يضغط على كل الاطراف المتحاورة لعلاج واصلاح قضايا الشأن العام لا على طرف دون آخر.. فالحوار المشروط او المعلق على شروط هو عمل سياسي لا يتعدى العمل على اثبات تفوق الذات على طرف او اطراف اخرى داخل الحوار وبالتالي لا يدخل هذا التصرف في مفهوم الحوار الوطني بمعناه الضيق والواسع معًا.. بل يعتبر فشلاً في قدرة ادارة الحوار الوطني من القاعدة او بعدها لاسباب ايديولوجية تقدم مبادئها على مبادئ الوحدة الوطنية.. لكون المصالح العليا للوطن والمواطنين ترفض تضييق المساحات المشتركة العليا في قضايا الشأن العام على النزاعات والاختلافات ذات الايقاع الاستئصالي او الالغائي للآخر على هذه المرتكزات او اي مرتكز ومنها الشروط المسبقة للحوار. فاساس الحوار الوطني العمل على بلورة الاهداف المشتركة في اطار ثوابت الوحدة الوطنية القائمة قبل الاختلافات مهما طال الامد التاريخي، فثوابت الوحدة الوطنية لا تغيرها اشكالات وخلافات معالجة قضايا الشأن العام فهذه الاخيرة تغير برامج السياسة العامة او توصوب مسارها ان جانبها الصواب.. الى جانب ان الحوار المعلق على شروط يزيد من الجفاء والتباعد السياسي بين الاطراف... بمعنى آخر ان قواعد منهجية الحوار الوطني نحو الاصلاح السياسي او الاقتصادي يرتكز على وضع فهم وتفهم حقيقة الاشكالات والمشاكل التي تسببت في خلق خلاف نحو الاصلاح في قضايا الشأن العام والتفاهم على صنع ووضع السياسة العامة القادرة على الاصلاح وليس القفز على تلك الاشكالات بشروط مسبقة لم تثبت صلتها باصل موضوعات الخلاف محل الحوار الوطني. فالحوار الايديولوجي او الفكري او السياسي لا يوصل لصنع قاعدة فهم وتفاهم ثم تعارف وتواصل واشتراك دائم في معرفة اسباب الحقيقة للاشكالات والمشاكل التي تحيط بخلافات اطراف الحوار، بل توفر مزيدا من الجفاء والتباعد وتوفر للاجيال القادمة مناخًا فكريًا ونفسيًا محتقنًا يضعف اهمية الحوار في وعيهم لبناء مستقبلهم... فالحوار وحده القادر على كشف الاسباب المؤدية للاخلاف والمتسبب في خلق الاشكالات في اصلاح قضايا الشأن العام... والاسباب كثيرة آخرها الاصلاحات السياسية والدستورية... والحوار وحده القادر على كشفها واصلاح موجباتها مهما يكن سقفها.. فالامور بمقاصدها في الحوار الوطني لا بوسائلها ولا بشروطها المسبقة. ومن الخطأ الجسيم في حوار الوحدة الوطنية ان نجعل اختلافاتنا الفكرية العقائدية والسياسية ان تسيطر علينا ثم تدفعنا الى القطيعة والتباعد عن الحوار الذي هو اساس تعميق قناعاتنا باهمية الوحدة الوطنية وتقريب وجهات نظر المختلفين من اجل حل مواضيع الاختلاف في قضايا الشأن العام وازالة الاحتقانات السياسية لتلك الاختلافات الفكرية العقائدية والسياسية من او على مبدأ الشروط المسبقة لبدء الحوار. ان مبادرة سمو ولي العهد للحوار الوطني... مبادرة تؤكد ان وعي شعب البحرين وفعالياته الفكرية العقائدية والسياسية والثقافية وحدها القادرة على ان تمارس هذه المسؤولية لتضييق مساحات الخلاف والنزاع في حل اشكالات ومشاكل كل قضايا الشأن العام من مسكن ووظائف وصحة وتعليم ومستوى الدخل... الخ تحت رعاية جلالة الملك ورئيس مجلس الوزراء نحو الاصلاح وتوسيع المساحة المشتركة داخل اطار الوحدة الوطنية اولاً واخيرًا.. وان الحوار الوطني هو الوسيلة الاسمى والابرز قدرة لهذا الشعب في تثبيت عناصر وحدته الوطنية... فمن ساحة الحوار تنتج الوحدة الوطنية الحقيقية وتتعمق موجباتها.. ومنها تضمحل الخلافات وتزول اسباب الاحتقان والتباعد والعنف ويستمر شعب البحرين عنوانا للتسامح والتآلف والتآخي امام العالم أجمع، وهو عنوان اسس مبادئ وضعه الاباء والاجداد قبل مئات السنين.. فالحوار صانع مستقبل الامم والشعوب.