كتاب «المرخ بين الماضي والحاضر» الذي كتبه كل من الاستاذ خليل ابراهيم حسين والاستاذ سيد عمار نعمة الموسوي واللذين استسقيا معلوماتهما من مصادر متنوعة وشهود عيان، يتناول في مقدمته سبب تسمية قرية المرخ بهذا الاسم حيث يبين ان مسمى «المرخ» في البحرين اطلق على منطقتين الأولى في جنوب غرب البحرين، نفس المنطقة التي تقع فيها محمية العرين «منتزه الحيوانات المشهور في البحرين» والثانية شمال غرب البحرين وهي قرية المرخ نفسها. ويرجع سبب التسمية الى أن البعض يذكر أن «المرخ» اسم لشجر بري لا ينبت إلا في مناطق خاصة، يستفيد منه الناس قديماً لإشعال النار للتدفئة، وأغراض الطبخ وأمورهم الحياتية الأخرى التي كان يقتضيها عصرهم، وكان هذا الشجر متوافراً بكثرة في هذه المنطقة إلى أن أصبحت قرية تسكنها عوائل محددة ارتبطت في بداية أمرها بالمكان فقط، فربطها المكان بعد حين برباط النسب. في حين يؤكد آخرون وهو الشائع والأقرب أن اسم المرخ هو مصدر لفعل «استرخى» إذ يقول أغلب من تم سؤالهم عن مصدر الاسم أن المنطقة زراعية و ذات مياه عذبة وفيرة وقريبة مما جعل منها منطقة استرخاء للقوافل المتنقلة بين القرى أي منطقة ترانزيت ولذلك سميت بهذا الاسم الشائع. ويتناول الكاتبان موقع المرخ فلكيا وجغرافيا كما يبينان التأثيرات الاجتماعية لموقع القرية ويلخصان ان الموقع منح المرخ ميزات عدة ربما يفتقدها العديد من قرى ومناطق البحرين. فبالإضافة إلى كون أهل القرى ممن يتعايشون فيما بينهم وفقاً لعلاقات وروابط اجتماعية قوية يفرضها التكوين الاجتماعي المتوارث منذ آلاف السنين، فإن كون «المرخ» جغرافياً في الوسط بين قرى أخرى عزز هذه الصفة لدى أهلها، حيث لم يقتصر التواصل الاجتماعي والمشاركة المعيشية بأروع أمثلتها على أهل القرية فيما بينهم، إنما تعدى ذلك إلى تأكيد العلائق مع أهالي القرى المجاورة بصورة يغبط عليها أهل المرخ الكثير ممن افتقدوا هذه النعمة. ويبرز هذا التواصل في عدة مظاهر أهمها: التزاوج، والتفاعل والانفعال مع ما يجرى في القرى المجاورة من مناسبات خاصة، وإقامة الفعاليات الاجتماعية والدينية المشتركة وما إلى ذلك، ولا شك أن هذا المشهد الاجتماعي له انعكاساته على أخلاقيات أهل القرية، وسلوكياتهم المعاملاتية في الاختلاط مع الآخرين، فعرف أهل المرخ بالكرم والتسامح، والابتعاد عن النزاعات فيما بينهم ومع الآخرين كلياً والمسارعة في مدّ يد العون للمحتاج، ومشاركة الناس أفراحهم بفاعلية واجتهاد. سمك هدية للعروس ومن ثم يعرض الكتاب أبرز الملامح الاجتماعية القديمة للقرية ومنها الزواج التقليدي في القرية فعندما تحصل حالة زواج في المرخ ترى الكل سعيدا في القرية باعتبار صغر القرية وترابط الأهالي فيما بينهم، ولم يكن من السهل أن يرى العريس عروسه في ذلك الوقت وإذا رآها يراها لفترة قصيرة وتتوارى عنه خجلاً. كما كانت مراسيم الزواج القديمة بسيطة إذ لم يكن فيها أي تعقيد مادي أو معنوي، أما البساطة المادية في المهر فهو الشيء الظاهر، إذ يصل في بعض الزيجات إلى 1000روبية «100دينار» أما تكاليف الزواج فقد كانت هدايا لأهل العروس «سمك وملابس» ومصروف الفرشة والدايات «يهيئن فرشة العرس ومكياج العروس» أما البساطة المعنوية فقد كان أمر من يريد الزواج في يد أبيه وكذلك المرأة وقد نتج عن ذلك نتائج إيجابية منها سهولة الزواج والزواج المبكر. ويبين الكاتبان كذلك تفاصيل الزواج القديم حيث يبحث أبوالزوج لابنه عن بنت ولدتها الفحولة، وأول الأماكن التي يبحث عنها في نفس القرية وإن تعسرت الأمور يبحث في القرى المجاورة مما جعل القرى الغربية والشرقية قديماً مختلفين عن أهالي القرى الشمالية في العادات والتقاليد واللجهات. إذا حصل الأب لابنه على بنت الحلال يتفق مع اهلها على المهر ويأتون بالشيخ ليعقد، ولكن ليس للعريس الحق في رؤية عروسه فيبقى خلال الفترة بين الخطوبة والزواج ينقل الهدايا لبيت العروس وكان متوسط الفترة بين الخطوبة الزواج أسبوعين ثم صارت الفترة تطول شيئاً فشيئاً. قبل الزواج بليلة يقوم أهالي القرية بذبح الثيران للزواج لاستضافة أهالي القرية خلال مدة ثلاثة إلى سبعة أيام بين فطور وغداء وعشاء يومياً والزوج خلال هذه الفترة يكون في بيت العروس وبعدها يفرد لها غرفة في منزل العائلة الكبير ليكون ذلك عش الزوجية البسيط في البيت الذي ستشترك فيه مع كل النسوة لتوفير سبل العيش لسد الرمق. وإذا اتفق وخطبت فتاة من القرية لأحد الأشخاص من القرى المجاورة «بني جمرة، الدراز» فإن أهالي العريس يأتون عصراً مشياً على الأقدام محملين بالهدايا موضوعة في «قفيف مصنوعة من الخوص» وتكون مملوءة بالحلويات، ويذهبون لبيت العروس ويسلمونه لمنزلها، وفي اليوم الثاني يأتون بالسمك لبيت العروس. وفي الماضي لم تكن معروفة المحلات المختصة في أمور الزواج مثل الصالون والاستوديو والصالة والمطعم، ومن كان يقوم بكل تلك المهام «الدايات» وهن اللاتي يجهزن مستلزمات العريسين، ويتراوح عددهن من 4 - 5 دايات لكل زواج، وأبرز مسؤولياتهن هي وضع المحسنات للعروس مثل «الديرم»، تنظيم الفرشة، وتوزيع وجبات الغداء والعشاء وحتى توزيع الماء كان من مهامهن، وتستمر الأفراح لمدة سبعة أيام متواصلة لا يخرج فيها العريسان من الفرشة إلا في اليوم السابع. اما في ليلة العرس فيوضح الكتاب ان الدايات يقمن بوضع العروسين مقابل بعضهما البعض، وتأخذ كل منهن من طرف قطعة من القماش المزين والمعطر بالبخور والقيام بإنشاد الأغاني ما يسمى قديماً وحاضراً بـ»التريمبو»، والإكثار من الصلاة على محمد وآل محمد، هذا على الجانب النسائي. الثيران ولائم الزواج أما على الجانب الرجالي فإن الرجل في أغلب الأحيان ليس له كلمة في اختيار الزوجة سوى رأي ضعيف والرأي الراجح للأب والأم، وأكثر الزيجات تتم بين الأقارب. وقبل ليلة الزواج يتم ذبح الثيران ليتم عمل الولائم في ليلة الزواج. ومن ثم يتطرق الكتاب للبيوت القديمة حيث كانت البيوت في بداية تأسيس المرخ متركزة في الجنوب حول المسجد الجنوبي، وتسكن العوائل المتعددة في البيت الواحد «أسر ممتدة» وذلك لتعسر الحالة المادية. وبعدها صنعت بعض العوائل بيوتا في الأسفل شمال المرخ القديمة وتوالت البيوت حتى أصبحت المنطقة أسفل الجنوب هي المرخ الكبرى والجنوب في الأعلى هي القديمة. أما هندسة البيت المرخي القديم فهو مثل البيوت البحرينية القديمة، فناء في وسط البيت يسمى «حوي» وحواليه حجر نوافذها وأبوابها مطلة على الفناء، ولم يكونوا في حاجة إلى خزائن للملابس لأن تصميم الحجر بها خزائن داخلية في الجدران والتي تسمى «روازن - جمع روزنة» إذ قد يصل في الحجرة الواحدة حوالي 14 «روزنة»، هذا مع وجود الحمامات داخل الحجر وفي الفناء، اما المواد المستخدمة في البناء فهو الطين وروث الأبقار يخلط ويلحَّم به الصخور المادة الأساسية للبيت. السباحة في «عين عليوه» كما لا يغفل الكاتبان هوايات صغار القرية فيسردون ان أكثر ما كان يستهوي الصغار في قديم المرخ صيد الطيور والسباحة، أما صيد الطيور فكان «بر سار» وهو المكان المستهدف وأبرز الطيور المصطادة الفقاقة والهدهد والسمن والمدقي، ووسائل الصيد تصنع محلياً «الفخ»، والذي توضع فيه دودة «عتلة» تؤخذ من كرب النخيل «السعف اليابس» وتوضع في الفخ، وبدوره يقوم الصياد بدفنه في الرمل، ويحرص على بروز تلك الدودة لتغري ذلك الطير المطلوب اصطياده. وما يتم اصطياده فهو مادة دسمة للأكل. أما السباحة التي كانت تستهوي الصغار خصوصاً في وقت الصيف فأفضل مكان هو عين عليوه التي كانوا يستمتعون بالسباحة فيها لأنها تكون شديدة البرودة في الصيف ودافئة في الشتاء، وكانوا يسبحون من ثقبة إلى ثقبة حتى يصلوا للعين الكبيرة وهي عين عليوه حيث كانت كبيرة الحجم بحيث يتمكنون من الجلوس وهم داخل العين، وبعد أن تم استملاك هذه العين الأثرية لجأ أهالي المرخ إلى عين عذاري المشهورة. واشتهرت قرية المرخ بالألعاب الشعبية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت واستمرت حتى فترة قريبة مثل الصميدة، والفيِايوه، ولعبة البكرة، لعبة التيلة، الصبة، والشاة، السكونة، الدوامة، القلينة... وغيرها. وباعتبار «المرخ» منطقة ريفية فقد اشتغل منذ القدم أهلها بالزراعة، فلا تكاد تجد عائلة من عوائل القرية إلا ولها قطعة أرض تفلحها وتعتمد في مصدر رزقها عليها. وأبرز صور اقتصاد المرخ القديم كانت في التموين، فقد كانت قرية المرخ تفتقر لبقالة في الماضي، وكان الاعتماد كل الاعتماد على الباعة المتجولين الذين يقدمون من القرى المجاورة، واشتهر الباعة المتجولون بالمناداة على البضاعة المباعة وكان بعض الباعة يدور حول القرية لبيع أكبر كمية ممكنة أما البعض الآخر فبافتراش الأرض في مكان بارز ومعروف ليبيع ما لديه من بضاعة، أما الوسيلة الأكثر استخداماً لحمل البضاعة فهي «الكاري والحمارة» مثل البقال الذي يأتي من إحدى القرى ليبيع ما لديه من خضروات ولبن وغيرها، علماً أن مقابل تلك الخضار أو اللبن الطازج يقبل حتى بأخذ فضلات الطعام «خبز يابس، نواة التمر» من الأهالي بدلاً من رميها، حيث يأخذها لإطعام البقر التي يمتلكها. اما المهن القديمة في القرية فهي مهنة القيطان وهي مجموعة من الخيوط الصغيرة وطولها حوالي 8-10سم من الحرير أو الإبريسم الأسود وهي في الأصل ذات لون أبيض، ولكن تصبغ باللون الأسود، وتوضع في ذيل السروال الذي ترتديه نساء وبنات ذاك الزمن، ويصبح مثل الكركوشة يتحرك ذات اليمين وذات الشمال عندما تتحرك أو تمشي تلك البنت أو المرأة التي تلبسه.