بادئ ذي بدء لا بد من التأكيد أن مفهوم حرية الرأي والتعبير من المفاهيم التي تتباين المجتمعات في معناها وتفسيرها، تبعاً لتنوع الديانات والثقافات بين كل مجتمع وآخر.
فما يعد من قبيل حرية الرأي والتعبير في مجتمع ما، لا يعد كذلك في مجتمع آخر.
وقد رسخت التشريعات الوطنية هذا الحق عبر النص عليه بداءة في ميثاق العمل الوطني، كما نص عليه الدستور في المادة (23) في باب الحقوق والواجبات العامة، على أن (لكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون، مع عدم المساس بأسس العقيدة الإسلامية ووحدة الشعب، وبما لا يثير الفرقة أو الطائفية).
كما أكد المرسوم بقانون رقم (47) لسنة 2002 بشأن تنظيم الصحافة والطباعة والنشر في المادة (1) منه أن (لكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما وفقاً للشروط والأوضاع المبينة في هذا القانون، وذلك كله دون المساس بأسس العقيدة الإسلامية ووحدة الشعب وبما لا يثير الفرقة أو الطائفية).
وباستقراء هذه النصوص يتبين لنا أن التشريعات الوطنية أكدت على حق الأفراد في التعبير عن آرائهم بشتى الطرق والوسائل وتطرقت في الوقت نفسه أيضاً إلى جملة من الضوابط المنظمة له.
وغني عن البيان فإن النص على هذه الضوابط لم ينل من جوهر الحق شيئا، سوى أنه نظم عملية استخدامه بما يكفل تحقيق الهدف المتوخى منه، فبدون هذه الضوابط تتحول الممارسة الفعلية لحق الرأي والتعبير إلى انتهاك لحقوق الآخرين وتعدٍ في شؤونهم الخاصة بل وارتكاب سلوكيات تقع تحت طائلة التجريم كجرائم القذف والسب والتحريض.
كما أن هذه الضوابط لم يكن القصد منها تكميم الأفواه وتقييد الآراء كما يفهمه البعض بقدر ما هي ضوابط تعزز الممارسة الفعلية للحقوق والحريات العامة في بلد اتخذ من الديمقراطية نهجاً ومسلكاً له.
إذن التشريعات الوطنية كفلت ممارسة حق التعبير عن الرأي بشتى الوسائل والطرق ولجميع الأفراد دون استثناء، بدلالة المادة (23) من الدستور والمادة (1) من قانون الصحافة والطباعة والنشر، حيث ورد في صدر هذه المواد أن لكل إنسان حق التعبير عن رأيه. فلم يستثني أفراداً أو طوائف أوأجناساً دون غيرهم.
كما أنها رسمت لنا الضوابط التي من خلالها يمارس حق التعبير عن الرأي وهي:
1. أن لا يكون الرأي المعبر عنه فيه مساساً بأسس العقيدة الإسلامية الغراء، وأسس العقيدة الإسلامية كما هو معلوم هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. فأي رأي يمس هذه الأسس بطعن أو تجريح لا يدخل في نطاق حرية الرأي والتعبير بل يعتبر رأياً مجرماً وفق قانون العقوبات.
2. أن لا يكون الرأي ماساً بوحدة الشعب وتماسكه.
3. أن لا يكون الرأي المعبر عنه يثير الفرقة أو الطائفية بين مذاهب وطوائف المجتمع.
ومن نافلة القول، فإن جميع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحقوق السياسية والمدنية وحقوق الإنسان قد أقرت بجانب حق التعبير عن الرأي، الجوانب المنظمة لممارسته.
فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي انضمت إليه مملكة البحرين ودخل حيز النفاذ سنة 2006 قد أكد عليه، فالمادة (19) من الفقرة الثانية والثالثة، فنصت الفقرة الثانية أن (لكل إنسان الحق في حرية التعبير..)، ثم تلتها الفقرة الثالثة مبينة جواز تقييد هذا الحق بجملة من القيود شريطة أن تكون محددة بنص القانون، وأن تكون ضرورية:
أ. لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.
ب. لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
كما تطرق الميثاق العربي لحقوق الإنسان على ضوابط عدة عند ممارسة حق الرأي والتعبير، حيث اشترطت المادة (32) منه وتحديداً في الفقرة الثانية على جملة من الضوابط وهي:
أن تمارس هذه الحقوق والحريات في اطار المقومات الأساسية للمجتمع، ولا تخضع إلا للقيود التي يفرضها احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو حماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
وأيضاً تناول الإعلان الخليجي لحقوق الإنسان الصادر في نهاية العام المنصرم عن حق الرأي والتعبير وضوابطه في المادة (9) منه بأن: (حرية الرأي والتعبير عنه حق لكل إنسان، وممارستها مكفولة بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية والنظام العام والأنظمة المنظمة لهذا الشأن).
نخلص لما سبق بيانه، أن جميع الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية قد كفلت حق التعبير عن الرأي لكل الأفراد بغض النظر عن انتماءاتهم أو اختلاف مشاربهم وألوانهم، كما كرست التشريعات الوطنية جملة من الضوابط القانونية المنظمة لممارسة هذا الحق، مستهدفة الصالح العام للمجتمع، فالدستور كفل ممارسة هذا الحق، وأحال تنظيمه إلى القوانين المتعلقة به، كقانون تنظيم الصحافة والطباعة والنشر.
إلا أن الضوابط الواردة في قانون تنظيم الصحافة والطباعة والنشر وفق - رأينا – لم ينظم عملية حق الرأي والتعبير بضوابط دقيقة، واكتفى بنقل الضوابط الواردة في المادة (23) من الدستور كما هي عليه، وكان من الأولى تنظيم هذا الحق بمعايير أكثر وضوحاً، طبعاً لا أعني التحديد الحصري له فهذا ما لا يمكن تصوره، ولكن كان بالإمكان تحديد معايير يمكن على ضوئها قياس ما يعد حقاً مباحاً دستورياً أم تعدياً مجرماً.
حيث إنها - الضوابط - وإن نصت على جملة من القيود إلا أنها ما زالت ترسم خطوطاً عريضة أقرب إلى أن توصف بأنها مبادئ عامة، لا سيما ونحن في وقت قد اكتسحت فيه قنوات التواصل الاجتماعي جميع الحواجز، وأصبح التعبير عن الرأي وسيلة في كثير من الأحيان فرصة للطعن في أعراض الأشخاص بل أرضاً خصبة للتحريض نحو العنف تحت ذريعة ممارسة حق التعبير عن الرأي.
لذا نتمنى من قانون الصحافة الجديد الذي ننتظر اقراره بفارغ الصبر من مجلسي النواب والشورى خلال الفصل الجاري أن يتطرق إلى مفهوم حق التعبير عن الرأي بشكل أكثر دقة، سيما أن هذا الحق من المسائل الجدلية حالياً في العديد من الدول والمجتمعات، وهو الأمر الذي دفع ببعضها لوضع معايير خاصة تمثل إطار عام للمساحة الممكنة في التعبير كما هو الحال في الولايات المتحدة -على سبيل المثال- التي وضعت المحكمة العليا فيها مقياسا لما يمكن اعتباره إساءة أو خرق لحدود حرية التعبير، ويسمى باختبار «ميلر» الذي بدأ العمل به في عام 1973 ويعتمد المقياس على ثلاثة مبادئ رئيسية وهي:
1- إذا كان غالبية الأشخاص في المجتمع يرون طريقة التعبير مقبولة.
2- إذا كانت طريقة إبداء الرأي لا تعارض القوانين الجنائية للولاية.
3- إذا كانت طريقة عرض الرأي يتحلى بصفات فنية أو أدبية جادة.
* باحث متخصص في الشؤون القانونية