لم أتخيل يومًا أن أكتب هذا المقال.. تعمدت أن يكون مقالي لهذا اليوم معنونا بالجملة السابقة.. لأنه ليس مثل أي مقال خطه قلمي.. لا وألف لا.. مقال اليوم مختلف في محتواه كليًا عن مقالاتي السابقة كاختلاف الليل عن النهار.. لن أقول إنه مقال رثائي.. بقدر ما هو مقال يعبر عن شخصه... لأنني كلي يقين بأن الشخص الذي سيدور مقالي عنه وأمثاله إذا رحلوا عن الدنيا من الصعب أن نجد كلمات مناسبة لرثائهم بها والأهم تفيهم قدرهم وبشكل كلي.
علي الغرير... فنان البحرين الخلوق المحبوب الذي أعتبره كأخ كبير بالنسبة لي... ملك الكوميديا بلا أي منازع الذي منذ أن شاء القدر ورحلت روحه إلى السماء العام الماضي وبالتحديد في الثاني عشر من يناير ولحد هذه اللحظة، أي بعد مرور عام كامل على رحيله.. يشهد الله بأنني لم أتمكن من كتابة ولو بسطر واحد عنه ونشره في الصحيفة، وهذا يرجع لمشاعر الحزن التي سيطرت علي وطعنات الألم التيأشبه بطعنات السكين.. وجو الصدمة الذي دخلته منذ وفاته ولم أخرج منه كليًا لحد هذا اليوم.. أحيانًا عندما أشاهد عمل فني له أو صورة له في عمل من الأعمال.. لا أعرف حقيقةً هل انني أنسى لا شعوريًا أو أتناسى عمدًا موضوع رحيله ليس اعتراضًا على قضاء الله بل لأخفف على نفسي ما اشعر به أم ماذا بالتحديد؟ فما أصعبه من شعور.
وفاة علي أثرت فيني وبدرجة كبيرة.. وفاته جعلتني أراجع نفسي وأفعالي أكثر من مرة... وفاته علمتني دروسًا كثيرة وأبرز ما تعلمته بأن: الحياة فانية وكلنا سنرحل عنها ولا يوجد أجمل من فعل الخير ومد يد العون لمن يحتاج وإغمار قلوب الغير بمشاعر الفرح والحرص كل الحرص على الاستمتاع بالمعنى الفعلي لهذه الكلمة بالتفاصيل التي قد نراها عادية وبسيطة ولكن أثرها كبير كالتبسم في وجه الصغيرو العطف عليه وتوفير الكبير وتقديره حق تقدير وغيرها الكثير
يحق لي اليوم وفي هذا السياق بأن أقول: بأن علي الغرير مدرسة بل جامعة ونحن جميعًا وأنا أولاً تلميذة من ضمن تلاميذها وتلميذاتها علي.. إنسان أبيض من الداخل كبياض الثلج وأكثر... طيبته وأخلاقه بالأخص لا يمكنني أن أصفهم.. إن عرف عند الجميع ببشاشته والابتسامة العريضة التي تكسو وجهه.. هذا غير أنه نجم في الأخلاق والأدب قبل الفن لن أكتب الكثير عن مسيرته في عالم الفن لأنه أشهر من نار على علم.. كل ما سأسلط الضوء عليه هو انه لعب عدة أدوار خلال هذه المسيرة الحافلة وفي كل دور تألق وبشكل أكبر عن الدور الذي يسبقه.. حقق نجاحات كبيرة وأكبر نجاح تمكن من تحقيقه هو نجاحه سعاد الناس وتثبيت الابتسامة على محيا جميع الأحباب في البحرين والخليج والوطن العربي وحتى العالم.
آه يا علي.. «اكتبها بحرقة وألم».. على قدر ما سعيت للخير واحتضنت الصغير ووقرت الكبير وقبلت جبين اليتيم ورسمت الإبتسامة.. رحلت وكسرت قلوبنا جميعًا من بعدك. عام مر على رحيلك وكأنه أمس.. يوم تشييع جثمانك الثرى.. اليوم الذي توافد الجمع الغفير، المسن قبل الشاب والصغير في المقبرة لتوديعك» الوداع الأخير «واستوداعك عند من لا تضيع عنده. الودائع.. عند رب عظيم، كريم، قدير أسأله أن يرحمك ويسكنك في عليين.
ما أصعبه من يوم.. لا أدري كيف أتى وكيف مر.. يوم كل ثانية من ثواني ساعته أصعب من التي قبلها.. يوم توديع هذا الرجل الشهم.. الحنون.. الطيوب.. الخلوق.. من قبل أهله وأبنائه هو اليوم نفسه الذي يحق لي أن أقول بأن انفصلت فيه روحين كانتا كجسد واحد وأعني بذلك، وداع صديقه الوفي العزيز،، رفيق نجاحاته ورفيق دربه بل أخوه.. الفنان خليل الرميثي لعلي بدموع لا نهاية لها.. وبحرقة قلب أعجز عن وصفها... خليل كان نعم الصديق أوبالأصح نعم الأخ الذي لم تلده ام علي الغرير.. فصدق المثل القائل «رب أخ لم تلده أمك». افترق خليل عن علي وهذا قضاء الله وقدره ولا اعتراض لنا عليه، ولكن شهادة لله.. مازال مستمرًا في وفائه لعلي من خلال أسرته واحتضانه لأبنائه الأربعة (خالد وخليل وسيف ومحمدالغرير)، فكان صديقا وأخا لوالدهم، والآن وبعد رحيل والدهم أصبح بمثابة الأب لهم، والدليل هو ان خليل عندما كان ضيفًا على شاشة تلفزيون البحرين.. وفي اللحظة التي كشف فيها فريق الإعداد عن المفاجأة التي تنتظره والتي كانت.. وصول أبناء المرحوم علي الغريرللأستوديو وجلوسهم بقرب خليل وفي هذه الأثناء قال خليل لمقدمي البرنامج: «أنا دائما اقول لولدي مبارك.. الحين ماعندك بس اختين (دانة ودارين) وبس.. لا الحين عندك اخوان وهم خالد وخليل وسيف ومحمد الغرير». اختم هذه الفقرة بقول: كم أنت كبير يا اخي بومبارك وأسأل الله أن يحفظك ويرعاك ويبارك لك في عمرك وصحتك ويجزيك خير الجزاء.
علي... مثلما استوطنت قلوبنا... وبدماثة أخلاقك و طيبة قلبك ومواقفك النبيلة وأكثر.. جعلت وبشكل غير مباشر الجميع أن يتفق على حبك.. والآن وبعد صعود روحك الطاهرة إلى السماء... جعلت لساننا لا يتوقف عن الدعاء لك والترحم عليك.
كسر عظيم وجرح لم ولن يبرى للأبد خلفه رحيل هذا الإنسان الراقي جدًا.. القريب من الجميع لدرجة تصل إلى أن يكون بمثابة الأبللأطفال والأخ للشباب والصديق للأحباب.
فما الذي كان بينك وبين الله يا علي؟.. ما الذي فعلته سرًا وجهرًا ليجازيك الرحمن بعد رحيلك بشعب غفير.. كبيرة قبل صغيرة ذرف الدموع وحزن على فراقك.. الشيعي فتح مأتمه والسني أقام مجلس عزاء لك.. الصبي الذي دون الخامسة عشرة سنة اعتمر عنك.. مسجدًا شيد لروحك... مركزًا إعلاميًا تعليميًا حمل اسمك.. هنا وهناك أعمال خيرية نسأل المولى أن يجعلها في ثوابك.
فيا بختك بكل هذا يا«علي»... فحقًا مثلما قدمت من قلب.. سخر المولى من يفعل الخير ليصل ثوابه لك وأنت نائم اليوم في قبرك.
علي الغرير.. اسمه علامة بارزة.. لا نحتاج لأن نقول الفنان الكوميدي أو نجم مسلسل«طفاش» أو غيرها من التعريفات لنعرف عنه.. يكفي أن نقول علي الغرير والكل بلا أي استثناء سيعرفه لأنه حبب الناس فيه وعرفهم على شخصه بأفعاله الإنسانية فدائما ما نجده من أول الحضور ليكون من أوائل الأشخاص الذين يقفون على رأس هؤلاء المرضى ليخففوا عليهم وطأة الألم بكلمات جميلة نابعة من قلب صافي وتصل لقلب متلقيها وبقبلة جبين عزيزة وأحاديث تسكب على النفس البهجة والسرور.
هذا غير أنه أخلص لتراب هذا الوطن العزيز.. ورفع رايته وجعلها خفاقة وجعل اسم البحرين براقًا وهذا يعود لكل ما قام به من أعمال فنية واخرى إنسانية حتى شاء القدر ليغادر أرضها ويتوسد ترابها.
رحمك الله يا من كنت لي أنا شخصيًا من خير الداعمين المشجعين لكل ما أقوم به... واكثر ما افتقدته هو عبارات الثناء على جهودي والتي اعتدت أن اتلقاها منك بعد نشري لأي مقال بالصحف المحلية
هذا غير أن نصائحك لي في آخر لقاء جمعني بك في حلبة البحرين الدولية قبل وفاتك بأسبوعين.. مازلت أستذكرها ومازال صوتك رنانًا في اذني وكأنك تخاطبني للتو.. آآآه يا علي... كنت دائما تحرص على توصيتي بالجد والاجتهاد للتقدم أكثر وأكثر في المجال الإعلامي.. وتشدد علي أن أعاهد نفسي على تقديم كل ما بوسعي من أجل ثرى البحرين.. وأنا أدعي المولى عز وجل وأسأله أن يعينني على تحقيق ذلك فرحمك الله وغفر لك وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة وألهمني وألهم أهلك وأبنائك وجميع أحبابك الصبر والسلوان على فراقك.
وقبل ختامي لهذا المقال.. اكتبها وبكل ثقة ومع احترامي في المقام الأول لجميع الفنانين والفنانات في البحرين والخليج وبالوطن العربيأَ جمع... بأن المكانة التي شغلتها في نفوس الناس ومستوى الإبداع و التمكن الذي وصلت إليه بعد نفس طويل والذي ظهرت معالمه في جميع أعمالك لن يتمكن أي فنان من الوصول إليه ولن يتمكن كذلك من سد فراغ مكانك للأبد
علي.. مثلما كان حضوره مختلف عن الباقي ومميز في الوقت نفسه.. كذلك.. مكانته ستظل محفوظة في النفوس وذكراه لن تغيب عن البال بل وستظل مخلدة للأبد.
على الرغم من طول هذا المقال وتعدد فقراته وعدد كلماته إلا أنني أشعر بأني مازلت مقصرة بحق أخي العزيز علي الغرير.. فهو يستحق حقيقةً كل خير والكلمات تقف عاجرة عن وصفه مهما خطت أحبار الأقلام من كلمات أقسم بالله بأنني منذ أن بدأت في كتابة السطر الأول من هذا المقال.. يداي ترجفان ودموع عيني تذرف ولكنني قاومت الكثير وسأقاوم حتى أصل لنهايته لأقول: رحمك الله يا من بقدر ما اسعدتنا.. كسرت قلوبنا أضعافًا مضاعفة برحيلك.. رحمك الله يا طيب القلب.. يا أخي العزيز.