الأيام

الوشــــــايـــــة

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 11955 الجمعة 31 ديسمبر 2021 الموافق 27 جمادى الأولى 1443

يُقال في اللغة: وشى به إلى السلطان ويشي ووِشايةً أي نمَّ عليه وسعى به، فالوشايةُ تحريضٌ لمنع حق من الوصول إلى صاحبه أو للإضرار بشخص ما عن طريق من يملك ذلك، وقد تكون بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، فلدينا هنا ثلاثة أطراف في الوشاية: الواشي ومن وُشي به وصاحب السلطة الذي يملك الولاية والقرار والنفوذ.
في غالب الأمر يكون الواشي قريبًا من صاحب الولاية أو السلطة أو المنصب، ويسعى لتنحية منافسيه بشتى الطرق والوسائل، وتراه يجتهد ويفكر ويدبر للفتك بخصومه ومخالفيه أو من يراه ويظن بأنه مهددًا لمكانته ومنزلته عند ذوي الولاية والسلطان والمنصب والنفوذ، فيسعى لإثارة صاحب الولاية والسلطة والنفوذ على فلانٍ من الناس ممن عُرف بالفضل والمكانة والمزِيَّةِ على غيره، لابسًا في مكره وخديعته لباس الحمل الوديع وفي حقيقته الوحش الكاسر، مُظهرًا النصيحة والشفقة، ومُضمرًا الشر والخُبث، مُستعديًا بوشايته من كان قريبًا من صاحب الولاية والسلطة والنفوذ، ومثيرًا للفتنة بينهما، وفاتحًا باب شر على من يزعم النصيحة له، وقديمًا قيل:
ومن يُطعِ الواشين لا يتركوا له.. صديقًا وإن كان الحبيب المقرَّبا
وعلى مر التاريخ لم يمرَّ زمانٌ ولم يخلُ مكانٌ من أصحاب الوِشايات، ممن غرتهم الحياة الدنيا، وعضوا عليها بالنواجذ، وكانوا مثالًا لمن باع أخراه بدنياه، والعجيب في هذا الأمر ليس في وجود أمثال هؤلاء في كل زمان ومكان، وإنما العجيب في الأمر أن بعضًا من هؤلاء ممن يُظهر التديُّن والصلاح، وممن يُفترضُ أن يكونوا من أنقى الناس قلوبًا، وأصفاهم سريرةً، وأكثرهم تقى وزهدًا وورعًا، وكفًا عن أذى الآخرين! فهم الذين يتلون قول الله تبارك وتعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ»، وقوله جل وعلا: «وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»، وقوله عز وجل: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُولًا»، وهم الذين يروون قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تَحاسَدُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَناجَشُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخوانًا)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يدخل الجنة قتَّات)، وقوله صلوات ربي وسلامه عليه: (مثَلُ المؤمنين في تَوادّهِم وتَراحُمِهِم وتَعاطُفِهِم مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى)!
إن من نراهم اليوم يسعون للإضرار بإخوانهم ما هم إلا أحفاد أولئك الذين قاموا بالوِشاية بعلمائنا وفقهائنا ودعاتنا من قبل عند ذوي السلطان وأصحاب القرار والنفوذ، فقد سبق وأن وُشي كذبًا وزورًا على الإمام أبي حنيفة النعمان والإمام مالك بن أنس والإمام محمد بن إدريس الشافعي والإمام أحمد بن حنبل والإمام البويطي وشيخ الإسلام ابن تيمية وسلطان العلماء العز بن عبدالسلام وغيرهم من الأئمة الأعلام الذين لم تزدهم الوشايةُ بهم إلا رفعةً وسموًا وعلوًا بصبرهم ويقينهم بالله جل وعلا، وصدق فيهم قوله سبحانه: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ»، وكانوا بذلك رموزًا في الثبات على الدين والقيم والمبادئ، وأما أولئك ممن وشوا بهم فلا يذكرهم التاريخ إلا بالنقائص والمعايب والسوء.
لقد اتهموا الإمام أبو حنيفة النعمان ورموه بالشنائع، وزعموا بأنه يخالف أوامر الخليفة برفضه تولي القضاء، مما يعني أنه عصى ولي الأمر بل ولا يرى طاعةً له، وأنه من الخارجين على الإمام -كذبًا وزورًا وبهتانًا- وحبسوه وضربوه على ذلك، مع أنَّ رفض تولي القضاء لا يعني بالضرورة مخالفة ولي الأمر ولا الخروج عليه ولا أيًا من تلك الأقاويل التي زعموها وافتروها على الإمام ووشوا بها، ولكنها الوشاية في ثوبها الممزق وصورتها البشعة.
وجلدوا الإمام مالك بن أنس في فتواه بعدم وقوع طلاق المكره، حيث كانوا يأخذون البيعة من الناس بأيمان الطلاق، فكان يفتي بعدم وقوع طلاق المكره، وزعموا بذلك أنه يقول بجواز الخروج على الخليفة ويدعو إلى ذلك حتى جُلد على إثر هذا الأمر وهو إمام دار الهجرة ونجم العلماء!
وقد وُشي بالإمام الشافعي عند الخليفة هارون الرشيد وسُجن، وزُعم بأنه يُناصر معارضي الخليفة ويجوّز الخروج عليه -كذبًا وزورًا-، وعُرض على السيف وكاد الخليفة أن يضرب عنقه لولا لطف الله وتسخيره الإمام محمد بن الحسن الشيباني للإمام الشافعي في مجلس الرشيد، حيث انتصر له ورد عنه ما ادُّعي عليه كذبًا وزورًا، وشهد له بالعلم والفضل.
ولا يخفى على أحدٍ أيضًا ما فُعل بالإمام أحمد في فتنة القول بخلق القرآن التي ابتدعها المعتزلة وامتحنوا الناس عليها، حيث سُجن وجُلد ومُنع من التدريس، كل ذلك بسبب وشايات لذوي السلطان والنفوذ والقرار التي لا يزال البعض يستمتع بممارستها!
إن بعضًا من أولئك الوشاة قد دارت عليهم الدوائر في الدنيا، وما كانوا لضعف إيمانهم ويقينهم يتصورون بأن الدوائر ستدور عليهم في يومٍ من الأيام، ولكنها سنة الله في خلقه «وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ»، وقد انتقم الله جل وعلا منهم في الدنيا، وما ينتظر من لم يتب منهم ومن لم يَغفر لهم ويعفوا عنهم من أضروا بهم أعظم عند الله، حتى قال الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- في إحدى الروايات المروية في محنته عندما قيل له: إن جعفر بن سليمان قد ضرب فلانًا وحلق رأسه ولحيته وأقامه للناس، فقال مالك: وما تريدون به، أترون حظنا مما نزل به النظر إليه والشماتة به؟! إنا نؤمّل من ثواب الله ما هو أعظم من ذلك، ونؤمّل له من عذاب الله ما هو أشدُّ من ذلك.
فيا ويل كل أولئك الوشاة من الله وعقابه وعذابه، فهم الهمازون المشاؤون بنميم، مشعلوا الفتن ووقود النيران في الأرض، فكم خاضوا في الأعراض، واتهموا النيات، وكشفوا العورات، وانتقصوا أهل العلم والعقل والحكمة والمروءات، وكم أوغروا من صدور، وزرعوا من أحقاد، وفرَّقوا بين الأحباب، وكم قطَّعوا من أواصر، وبثوا من شرور في المجتمعات؟!
ولسان حال بعض من ابتُلي بالوشاية به من قبل بعض الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو التيارات أو غيرهم: إنا والله نؤمّل من ثواب الله ما يرفع به درجاتنا عنده في الآخرة ونؤمّل لكم من عذاب الله ما يُذيقكم به بأسه ويقيم به عدله «كذلك يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ والبطل فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جفاء ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ».

د.أحمد عادل العازمي

كلمات مفتاحية
Show more