الايام نت

حانوت الحاج سعيد

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 13278 الجمعة 15 أغسطس 2025 الموافق 21 صفر 1446

كتبت - أمينة هاشم الكوهجي:

أدار (عبدالله) مفتاح باب الحانوت القديم ببطء، دفعه فأصدر أزيزا بعث القشعريرة في جسده، جال ببصره فيه غير مصدق، فقد استطاع وبعد جهد كبير أن يقنع السمسار بقبول بيعه إياه بما استطاع جمعه من مبلغ زهيد خلال سنوات عمله الطويلة كمراسل في إحدى الوزارات، كان حلمه منذ طفولته أن يمتلك محله وتجارته الخاصة.
كان الحانوت يقع في شارع فرعي ضيق متفرع من الشارع الرئيسي لسوق المنامة الذي يمر بباب البحرين، حيث تباع فيه البضائع والسلع الشعبية التقليدية، كما يحتوي على محلات بيع القماش والذهب والتحف التذكارية، وهي محلات ظلت محافظة على جانب كبير من طابعها المحلي القديم لتقاوم زحف التغيير وتجاعيد الزمن.
كان الغبار يغطي جميع محتويات الحانوت. أمسك عبدالله بفوطة صغيرة وشرع في تنظيف الرفوف الخشبية المثبتة في الحائط. مضت ساعات وعبدالله منهمك في عمله، شعر أن صدره قد امتلأ بالغبار حتى لم يعد يستطيع التنفس بسهولة، وقف عند مدخل الحانوت وقد تصبب جبينه بالعرق، تنفس بعمق وهو يراقب المارة والمتسوقين الذين تغص بهم طرقات السوق الفرعية الضيقة، لفت انتباهه فتاة شاحبة الوجه، منكوشة الشعر، ترتدي ثياب رثة ممزقة، كأنها قد خرجت للتو من قبرها، ظلت تراقب حانوته عن بعد لفترة قبل أن تندس مبتعدة بين جموع المتسوقين.
قرر أن يستريح قليلاً فجلس وراء الطاولة الخشبية المهترئة في زاوية الحانوت، فتح الدرج الوحيد الذي يتوسطه، كانت مسبحة زرقاء تقبع وسطه، فكر للحظات: «لابد أنها للمالك القديم، سأسلمها للسمسار في أقرب وقت». قام متثاقلاً، فمازال أمامه الكثير من العمل حتى يستطيع البدء بعمله، فقد ظل الحانوت مغلقًا لفترة طويلة بعد وفاة مالكها السابق في ظروف غامضة.
«يقولون إن الطعام الذي تناوله كان مسمومًا». همس صديقه (مسعود) في أذنه حين اجتمعا في المقهى الشعبي كعادتهما كل مساء: «طعام مسموم ؟!! ولكن السمسار أخبرني أنه تناول طعامًا فاسدًا». «بالطبع لن يقول لك الحقيقة، كما أنه من الواضح أنه لم يخبرك أيضًا بما حل بمن سبقوه ممن اشتروا الحانوت، جميعهم ماتوا في ظروف غامضة، لم يستمر أحد في هذا الحانوت لمدة طويلة، يقولون». تردد قليلاً قبل أن يكمل حديثه هامسًا وهو يتلفت حوله: «يقولون أنه حانوت مشؤوم». «وما علاقة الحانوت بما يحدث لمالكيه. لا داعي لمثل هذه الخرافات والأحاديث التي لا أساس لها». «حسنًا ولكن كن حذرًا».
ثم سارع إلى تغيير دفة الحديث رغم القلق الذي كان مرتسما على قسمات وجهه: «وماذا تنوي أن تبيع في هذا الحانوت؟». «أفكر في بيع أدوات الخياطة من إبر وخيوط وأزرار». «فكرة رائعة فحانوتك يقع في وسط السوق ومحاط بالعديد من محلات الخياطة».
عاد لارتشاف ما تبقى في كاسه من الشاي ساهما يفكرفي مصير صديق طفولته، لطالما سمع من مرتادي القهوة الكثير من القصص عن الحوادث الغريبة والمرعبة التي تحدث في هذا الحانوت، ليته يجد وسيلة ما لإقناعه بالتخلص من هذا الحانوت قبل فوات الأوان.
في اليوم التالي جلس عبدالله يتناول فطوره في المقهى الشعبي الذي يقع في زقاق ضيق من السوق، كان مقهى يرتاده جميع تجار السوق ليتناولوا إفطارهم فيه، وحتى كبار التجار كانوا يرسلون عمالهم لجلب أطباق البيض والنخي والخبز الحار، انتشر مرتادو المقهى على الطاولات الخشبية القديمة التي أعيد طلائها من جديد بلون اخضر غامق، كان عبدالله يلتهم بنهم صحن (القيمة) وهو طبق من اللحم المفروم والبصل والطماطم مع مزيج من البهارات الحارة، حين دخل الحاج محمد واتجه إلى كرسيه المعهود وهو يلوح بيده ردًا على صيحات الترحيب التي تعالت من الحضور، كان الحاج محمد أكبرهم سنًا وقد عاش في أرجاء السوق كل حياته ويعرف كل خباياه وأسراره.
أسرع إليه صبي القهوة بكوب الشاي كعادته كل صباح، ظل يرتشفه بصمت، ولم يتجرأ أحد على اقتحام خلوته هذه، راقبه عبدالله بقلق ظاهر، تردد للحظات قبل أن يغادر كرسيه ليجلس أمامه: «حاج محمد هل يمكن أن أسألك عن أمر يشغلني كثيرا؟». «طبعًا يا ولدي. تفضل». تفرس في وجهه للحظات قبل أن يكمل: «أنت عبدالله المالك الجديد لحانوت الحاج سعيد». «نعم يا عمي ولكن أصدقني القول ما قصة هذا الحانوت ؟ وما سر كل هذه القصص والأقاويل التي تدور حوله». تردد الحاج محمد قليلاً ثم همهم: «لا داعي للخوض في هذا الموضوع، فقط اهتم بعملك ولا تصغي لأي أحد». «لم يتهرب الجميع من الحديث عن الحانوت ؟ ولماذا يطاردني الجميع بنظرات الشفقة كلما قابلوني ؟ أرجوك يا عمي لا أحد غيرك يرد على جميع تساؤلاتي». «هذا الحانوت يا ولدي كان ملكا لأحد تجار الأقمشة واسمه الحاج سعيد، وقد طمع فيه تاجر منافس غني يمتلك العديد من المحلات الملاصقة لحانوته وكان ينوي بناء مجمع ضخم محله وعرض عليه مبالغ طائلة ولكنة رفض رفضًا شديدًا ولكننا فوجئنا بأنه باعه له وبثمن بخس، ثم قتل جميع أفراد عائلته وانتحر بعد أن ترك رسالة تفيد أنه غادر هذه الحياة يائسًا بعد ان تكالبت الديون عليه». «وهل كان ذلك صحيحا؟». «لقد شككت في الأمر ولم أصدقه أبدا، فقد كان الحاج سعيد يكره الاستدانة من أحد، و قد رتب لشراء بضاعة جديدة لحانوته، كان رجلا متدينًا ويحب عائلته كثيرًا ولا يمكن أن يفكر في إيذائهم وفي قتل نفسه». «وماذا حدث بعد ذلك؟».
فتابع: «أصيب التاجر الغني بمس من الجن كما كان يردد الجميع، كانت تنتابه نوبات من الخوف والهلع، وكثيرا ماكان يقوم من نومه مذعورًا وكأنه يرى أمامه شبحًا يهدد حياته، ولم تفلح كل محاولات الأطباء والمحيطين به لتهدئته وفي إحدى هذه النوبات ألقى بنفسه من نافذة غرفته ليلقى مصرعه على الفور أدركت حينها أن ما أصابه كان بسبب جريمته بحق الحاج سعيد وعائلته، انتقلت كل أملاكه وثروته لابنه الصغير وزوجته التي غادرت البلاد مع ابنها بعد أن تركت لي مهمة رعاية كل محلاتهم وتحصيل ايجاراتها إلا هذا الحانوت بالذات فقد أصرت على بيعه، وأوكلت المهمة لسمسار عقارات معروف بالسوق، يبدو أنها كانت تعرف سر ما عنه».
عاد لارتشاف شايه للحظات، ثم هز رأسه بأسى واضح قبل أن يتابع حديثه: «لا أخفي عليك كلما اشتراه أحد حلت عليه كارثة، ومن نجا بحياته كان يبيعه ويغادر السوق بلا رجعة». فكر عبدالله بأسى، فقد أنفق كل ماله لتحقيق حلم حياته بامتلاك تجارته الخاصة، فهل يسمح لمثل هذه القصص الوهمية أن تدمر حياته؟
عاد عبدالله لعمله في ترتيب بضاعته التي اشتراها بآخر مبلغ كان يدخره، وبدأ الزبائن يتوافدون على حانوته فقد كانت بضاعته مميزة لا مثيل لها في السوق وسعرها زهيد، وكان عبدالله بشوشا ودودا عند استقبال زباىنه ولا يتردد في إمهالهم في دفع قيمتها ويسجلها في دفتر أسود ضخم خصصه لهذا الغرض.
كان يومًا عاديًا كبقية الأيام، سلم بعض المشتريات لزبون، ثم تهاوى على المقعد خلفه في إعياء، فقد مضت ساعات دون أن يتوقف ولو لدقائق للراحة، نظر إلى كوب الشاي الذي أمامه فوجد ذبابة حطت بداخله، زفر بضيق، فقد كان يتوق لشرب بعض الشاي حين تسنح له الفرصة، أغمض عينيه عله يستعيد بعض نشاطه شعرفجأة بيد غريبة تحط على كتفه ، تلفت من حوله بحذر كان الحانوت خاليا لا أثر فيه لأي شي.
استند ثانية إلى الحائط خلف طاولته، عاد لإغماض عينيه ولكنه سمع صوت ارتطام جسم ما في الخلف فقام يسير بحذر ليستطلع الأمر، كانت هناك على الأرض ورقة مطوية ملفوفة بعناية بالمسبحة الزرقاء، التقط الورقة وفتحها بيدين مرتعشتين، قرأ ما فيها: «غادر الحانوت قبل فوات الأوان». في المساء قلب الحاج محمد المسبحة بيدة مستغربا، ثم قرأ الرسالة: «هذه مسبحة الحاج سعيد وكانت لا تفارق يده أبدًا، اخبرني ياولدي هل ستستمر بالحانوت بعد ما حدث؟». «أنا مضطر للاستمرار يا عمي لا حل آخر امامي».
بعد أيام كان عبدالله مشغولا بتسجيل بعض الملاحظات في السجل حين شعر بلفحة هواء حارة من خلفه، ثم تساقطت بعض العلب من تلقاء نفسها في الخلف. أعادها عبدالله إلى مكانها وهو يردد باستسلام: «يبدو أنني لم أعد العلب إلى مكانها على الرف».
عاد إلى طاولته، ليواصل عمله في تدوين بعض الأسماء، أغلق السجل وتمطى وبدأ في تحريك يديه وقدميه وفجاة صفق أحدهم باب الحانوت بقوة، وقف عبدالله مذعورا حين لاحظ بعدها ألسنة النار تنتشر في أرجاء الحانوت لتلتهم بضاعته فسارع في محاولة يائسة لإطفائها، أسرع لباب الجانوت وفشل في فتحه وأخذ يدق عليه بكلتا قبضتيه بينما بدأ الدخان الكثيف يغطي المكان.
وقف الجميع مذهولين بعد ان فشلت جميع محاولاتهم في إطفاء الحريق أو انقاذ عبدالله، كانت الفتاة الغريبة تراقب ما يحدث وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة غريبة، ثم ابتعدت وهي تلوح بيدها بالمسبحة الزرقاء

كلمات مفتاحية
Show more