الايام نت

اغتيال طفولة (2 – 2)

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 13453 الجمعة 6 فبراير 2026 الموافق 17 شعبان 1447

تنهدت الخالة للحظة ثم قالت «أنا أربي ابنها، لكنها لا تهتم لهذا الأمر أبدًا. ظروفي الأسرية صعبة، فأنا أم لخمسة أيتام، بالكاد أستطيع أن أطعمهم، وأن أغطي مصاريفهم، إضافة إلى أن أخي وزوجته وأبناءهما يسكنون معي في نفس البيت».

تقلبت على فراشي وأنا أتأمل سقف الحجرة. من الصعب على طفل في سنه أن يعيش كل هذا الحرمان؛ حينما يترعرع يتيمًا، بينما أبواه على قيد الحياة. لقد تجردا حتمًا من ثوب الإنسانية، وتملكتهما الأنانية وحب الذات. تذكرت في إحدى المرات، حينما توجهت إلى فصله لأسأل معلمته عنه. حينها ذكرت لي المعلمة بأنه كثير الغياب. تواصلت هاتفيًا مع خالته التي يقيم معها، وفي كل مرة كانت تعطيني أسبابًا غير مقنعة عن غيابه، ما يؤكد لي عدم اهتمام أسرة أمه به، فلا فارق إن ذهب إلى المدرسة أم لا.


في أحد الأيام، أثناء قيامي بإحدى الجولات التفقدية بين الفصول، اقتربت منه وكلمته بودٍّ «بني.. أريدك أن تحضر إلى مكتبي أثناء الفسحة». حضر (مازن) إلى مكتبي، وجلس على أحد المقاعد بجسده الهزيل. نظراته تحمل أسى رجل طاعن في السن. تأملته باهتمام، وكأنني أحاول قراءة ما يجول في خاطرة. سألته «ماذا بك يا بني؟ هل تشكو من شيء؟». لم يأخذ وقتا في التفكير وكأنه كان يتوقع مني هذا السؤال، وقال بصوت منخفض «أمي ترتكب أعمالًا خاطئة». تمعنت بملامحه وسألته «كيف؟». صمت برهة، ثم خفض رأسه وهو يقول بانكسار «كنت أذهب لزيارتها بشقتها، و..». سألته «وماذا يا مازن؟»، فقال بتردد وهو يخفض رأسه أكثر «وجدتها بوضع مشين مع صديقها!».


شعرت لوهلة بأن قلبي قد توقف عن النبض. سألته بصوت مختنق «ماذا؟؟». أطرق برأسه، وهو ينكمش على نفسه أكثر «لقد هددتني بألا أحكي لأحد ما رأيته». ترقرقت عيناه بالدموع، اقتربت منه، وضعت يدي على كتفيه، ثم نظرت إلى عينيه مباشرة «مازن.. أريدك أن تستمع إلى كلامي جيدًا يا بني. لا تفكر بأي شيء ينغص عليك راحتك. اشغل وقتك بكل ما هو مفيد. اشغل نفسك بالدراسة والقراءة. دراستك هي حياتك ومستقبلك». أحنى رأسه أكثر، وواصلتُ حديثي «هناك أناس يرتكبون العديد من الأخطاء الفادحة، لكننا غير مسئولين عن أخطائهم. فالله سبحانه وتعالى هو من سيحاسبهم على أعمالهم. المهم أن تعتني بنفسك جيدًا، وإن احتجت لأي شيء، تعال إليّ».


رفع رأسه، تأملت عينيه المغرورقتين بالدموع، وقلت له «تأكد يا مازن بأنك محبوب هنا في المدرسة. أتعرف لماذا؟ لأنك طفل مؤدب وهادئ، لم تسبب الأذى لأحد، ولم تكن أبدًا مصدر إزعاج لأحد. أسمعتني يا بني؟». أومأ برأسه إيجابًا. مسحت على شعره بحنان، ثم أردفت «والآن يا بني.. هيا اتجه إلى فصلك». مسح دموعه، ابتسم ابتسامة صغيرة ثم قال «حسنًا». خرج من المكان، وأنا أراقب خطواته المتعثرة.


زفرت بضيق، جلست حول مكتبي لأفكر بعمق، وأنا أشعر بالغضب الشديد. أخذت أعماقي تهتف بسخط: أيعقل هذا؟؟ هل انعدمت الكرامة والإنسانية إلى هذا الحد؟؟ رفعت سماعة الهاتف، وأخذت أضغط على الأزرار لأستدعي خالة (مازن) إلى المدرسة، وبعد دقائق حضرت الخالة. كانت سيدة في العقد الرابع من العمر، ترتدي عباءة مزخرفة، وتضع مكياجًا بسيطًا، وكانت تنفث منها رائحة عطر رخيصة. أشرت لها بالجلوس وأنا أقول «تفضلي».


بعد أن جلست الخالة شبكت أصابعي أمام وجهي وسألتها برصانة «حدثيني عن والدة مازن». امتقع وجه الخالة، وارتسمت على ملامحها علامات الضيق، ثم زفرت وهي تقول «ماذا تريدين أن تعرفي عنها؟». صمتت قليلًا ثم قالت بمرارة «لقد وصمت أسرتنا بالعار مدى الحياة. لقد ارتكبت العديد من الأخطاء، كان نتيجتها موت أمي وأبي حسرة على ما قامت به من أفعال مخزية». واصلت حديثها بصوت متقطع «كانت تخرج من المنزل في ساعات متأخرة من الليل، تنتقل من عشيق إلى آخر، وكان ثمرة هذه الأفعال مازن، الذي لا ذنب له في هذه الحياة سوى أنها أمه».


مرت لحظات من الصمت، التفتت الخالة إليّ وهي تواصل حديثها «لقد تبرأ منها الجميع، ما جعلها تسكن في شقة لوحدها، بعدها قامت بمصادقة شخص في عمر ابنها، يسكن معها، ويخرج معها إلى كل مكان. لقد تعرض مازن للعنف من قبل هذا الساقط، وعلى مرأى منها، حيث قام بضربه لأكثر من مرة». تنهدت بعمق ثم قالت بأسى «لقد أصبح مازن منبوذًا من قبل أسرة أمه، لأنه ضحية أفعالها. فهم لا يريدونه في البيت، ولا يبالون بأمره إن كان حيًا أم ميتًا. لقد صمموا على رميه في دار الايتام، إلا أنني رفضت ذلك وبشدة، وقررت أن أحتفظ به وأن أتولى رعايته».


سألتها «وأين هي أمه الآن؟»، فردت الخالة «في السجن، لأنه حكم عليها أن تقضي فيه لسنوات، لكنها أودعت حاليًا في مستشفى الطب النفسي بسبب تعاطيها للهيروين. للأسف، كان عشيقها من يزودها بإبر الهيروين». تنهدت الخالة للحظة ثم قالت «أنا أربي ابنها، لكنها لا تهتم لهذا الأمر أبدًا. ظروفي الأسرية صعبة، فأنا أم لخمسة أيتام، بالكاد أستطيع أن أطعمهم، وأن أغطي مصاريفهم، إضافة إلى أن أخي وزوجته وأبناءهما يسكنون معي في نفس البيت». سالت الدموع من عينيها وهي تقول «أشعر تجاهه بالأسى، لأنه لا ذنب له في كل ما يحصل».


قلت لها «أختي، إن الله سبحانه وتعالى موجود، لا ينسى عباده، ولا يتخلى عنهم أبدًا»، فقالت «ونعم بالله». استطردت «كل ما أطلبه منك هو رعاية هذا الطفل المسكين قدر المستطاع. احتسبي الأجر من الله، وتأكدي بأنه لا يضيع أجر من أحسن عملًا». وواصلت حديثي «تؤلمني نظرات زملائه الساخرة، وتعليقاتهم اللاذعة، أريده أن ينعم في المدرسة ببيئة آمنة».


فجأة، دق جرس المنبه، فاستفقت من نومي. التفتُّ إلى الساعة، ووجدتها التاسعة صباحًا. تثاءبت بقوة، ونهضت من فراشي. تذكرت موعد الطبيب في الساعة العاشرة صباحًا، ولابد لي أن أستعد للذهاب. توجهت إلى دورة المياه وأخذت حمامًا دافئًا. ارتديت ملابسي على عجل، وأعددت لنفسي كوبًا من القهوة. شعرت بصداع شديد، جلست على مقعد المطبخ، وارتشفت رشفة من القهوة الساخنة. تذكرت جيدًا بأنني قمت بعمل دراسة حالة تفصيلية عنه، رفعتها إلى الجهة المعنية بالوزارة بهدف تحويله إلى مركز حماية ورعاية الطفل.


كان (مازن) يعيش ظروفًا صعبة وقاسية، بين أوساط أسرة كبيرة تعاني من الفقر المدقع، وخالة لا تقدر على إعالة أطفالها، وأم ما بين الدعارة، إلى السجن والمخدرات. لقد أراد لي القدر أن أعرفه وأن يعرفني، ربما كنت الأمل الأخير في انتشاله من براثن هذه الظروف. لم تمر أشهر حتى أودع (مازن) مركز حماية ورعاية الطفل. أكلتني الحيرة.. يا ترى، أين هو الآن بعد كل تلك الأعوام؟ وماذا كان مصيره؟


نهضت من مكاني لأتجه خارجًا. وقبل أن أمد يدي لفتح الباب، رن الجرس. ففتحته بسرعة، لأرى الشاب نفسه الذي جاء إلي ليلة البارحة، لكنه هذه المرة يحمل في عينيه نظرة الطفل مجهول الأب. تمعنت في وجهه جيدًا، وشعرت بأنني أعرفه فعلًا. أيعقل هذا؟! نطقت بذهول «مازن؟!». ترقرقت عينا الشاب بالدموع.. واكتفى بالصمت.

كلمات مفتاحية
Show more