الايام نت

«رسالة الرّجّاس اليمامي».. استعادة فن الرسائل بصياغة سردية معاصرة

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 13495 الجمعة 20 مارس 2026 الموافق غرة شوال 1447

في امتداد لرهانات الكتابة على الأشكال الأدبية التراثية وإعادة تشغيلها ضمن أفق معاصر، صدر حديثًا كتاب «رسالة الرجاس اليمامي» للأديب السعودي ماجد سليمان، في (80) صفحة، كنصٍ ينفتح على صيغة الرسالة، لكنه لا يقف عند حدودها التقليدية، وإنما يعيد بناءها كحيّز سردي متصل، يتسع للحكي وتداعياته.

ينشئ العمل صوتًا متخيلًا هو «الرجاس اليمامي»، يكتب رسالته إلى هَوْذَة بن علي الحنفي، ملك اليمامة في نجد، الملقب بـ«ذي التاج»، غير أن هذا الخطاب لا يتخذ مسارًا مباشرًا، إذ تتشكل الرسالة فضاءً سرديًا تتداخل فيه وقائع الرحيل مع تحولات الطريق، وفقد الرفاق، ومناورات النجاة، في بنية تتقدم عبر مشاهد متعاقبة، تتصل بجغرافيا نجد، وتعيد تمثيلها بوصفها مسرحًا.
يبدأ النص من عتبةٍ تُعلن منذ اللحظة الأولى انفصالها عن مرجعيات التاريخ والتوثيق: «لا أثر لي عند المؤرخين، ولا عند رواة الأخبار، أوجدني المؤلف من خياله؛ لأكتب رسالتي الطويلة هذه»، ثم تتحول الرحلة من مجرد انتقال مكاني لتجربة داخلية تتقاطع فيها الذاكرة مع الاحتمال، والواقع مع المخيال، حيث تتولد الأحداث من داخل النص، لا بوصفها وقائع مكتملة، وإنما حالات سردية مفتوحة، تتبدل إيقاعاتها وتتوتر، بما يمنح النص طابعه المتحرك، ويخرجه من الإطار التقريري إلى أفق الحكي المركب.


ومن هذا المنطلق، ومع أن الرسالة تنطلق من الخطاب الموجه إلى هَوْذَة، غير أن هذا التوجيه لا يلبث أن يتراجع لصالح سردٍ يتشظى على امتداد الطريق، حيث يروى الرحيل كتجربةٍ تتكثف فيها لحظات الفقد، والنجاة، وتبدل الأمكنة. إذ يقول في مستهل استدعائه لذاكرة المكان: «كان الطرقات والأزقة قد عافت الناس والعابرين، ولم يُرَ أي آدمي يتجول... غير قامات نسوة مآلات عبرن أخيرًا، اتشحن بالسواد».


ويمضي النص، حيث تتداخل الذاكرة مع اللحظة، فيستعيد مشاهد من حصارٍ وانفلاتٍ وركضٍ بين الخوف والنجاة، «حين جاءت الإمدادات إلى الجيش المحيط بسور البلدة... وأمطروا الأرض بوابل من الحجارة المشتعلة»، لتتحول الوقائع إلى طبقات سردية...
وعلى مستوى آخر، يفتح النص مسارًا مغايرًا، يستدعي فيه لحظات الفرح نقيضًا هشًا لما سبق، حيث الطفولة وأصوات الغناء والرقص «يتحركن بين المشاعل، يُحيين الليل بالغناء والرقص والزغاريد»، غير أن هذه الاستعادة تأتي صورةً محاطةً بقلقها، متاخمةً لما سيؤول إليه المصير.


وفي هذا التوتر يتشكل صوت الرجاس، صوتًا يتردد في الفضاء «والهواء يستدير من كل الجهات، وصوتي الشجي يتردد على هيئة جماعة يرددون ورائي»، ليبلغ ذروته في مقاطع شعرية تتخلل الرسالة للأعشى:


فَتًى لو يُنادي الشمسَ أَلْفَتْ قناعَها
أو القمرَ الساري لألقى المَقَالِدا
ويُصبحُ كالسيفِ الصقيلِ إذا غدا
على ظهر أنماطٍ لهُ ووسائدا
يرى البخل مرًا والعطاء كأنما
يلذ به عذبًا من الماء باردا


وعلى هذا النحو، لا يشتغل النص على استعادة «فن الرسائل»، وإنما يعيد تفكيكه وإعادة تركيبه، بحيث تتداخل فيه الكتابة الرسائلية مع السرد الرحلي، وتجاور فيه السيرة المتخيلة بنية الخطاب، في محاولة لخلق نصٍ عابر للأنواع، يوسع من إمكانات هذا الفن، ويعيد طرحه ضمن سياق الكتابات المعاصرة.
يُذكر أن ماجد سليمان أديب سعودي تنوعت اشتغالاته بين الرواية والقصة والشعر والمسرح، وامتدت تجربته الأدبية لأكثر من (28) عامًا، إذ راكم منجزًا متعدد الحقول، أصدر خلاله خمس روايات، وأربع مسرحيات، وأربع مجموعات شعرية، وثلاثة كتب في المختارات، وأربع مجموعات قصصية، إلى جانب كتاب في المقالات.

ومن أبرز أعماله: «عين حمئة»، «دم يترقرق بين المعاصم واللحى»، «نجم نابض في التراب»، «طيور النعمة»، «قمة تطير في الريح»، «شرق الأرض غرب البحر»، «ليلة القبيلة الطاغعة»، و«نسوة السوق العتيق»، فضلًا عن نصوص مسرحية مثل «الآباء»، وأعمال موجهة للأطفال كـ«الصندوق» و«أجراس». وقد حظي هذا الاشتغال بحضور نقدي في الدراسات الأكاديمية، كما تُرجمت بعض نصوصه إلى لغات عدة.

كلمات مفتاحية
Show more