سيد أحمد الوداعي
فقد سوق المنامة صباح اليوم الأحد واحدًا من أشهر وأقدم صاغة الفضة في البحرين، برحيل عبدالرزاق خالد رومي الرومي عن عمر ناهز 96 عامًا، بعد مسيرة طويلة امتدت لنحو 75 عامًا، ظل خلالها وفيًا لمهنة صياغة الفضة التي تعلّم أسرارها طفلًا، وقضى بين النار والمطرقة والنقوش معظم سنوات عمره.
وبرحيله، يغيب عن السوق القديم وجه مألوف ظل لعقود جزءًا من ذاكرة المكان، بعدما اقترن اسم الرومي بصياغة الفضة ومحل صغير بالقرب من باب البحرين، احتفظ حتى سنواته الأخيرة بملامح من تاريخ المهنة وصور وحكايات امتدت من أربعينيات القرن الماضي إلى الزمن الحاضر.
وُلد الرومي في مدينة العمارة جنوب العراق عام 1932، وقدم إلى البحرين عام 1948، ليعيش مع والده خالد الذي كان يعمل صائغًا للفضيات في محل بسوق الطواويش، المعروف اليوم بسوق باب البحرين.
وتعلّم الرومي المهنة على يد والده منذ طفولته، وكانت بداياته شاقة، إذ أمضى ساعات طويلة في العمل أمام النار، قبل أن يتمرس في الصياغة ويتقن أسرارها، لتصبح المهنة جزءًا أساسيًا من حياته.
وفي عام 1964 افتتح محله بالقرب من باب البحرين، وكان إيجاره آنذاك نحو 20 روبية، قبل أن يواصل مسيرته منفردًا بعد وفاة والده في نهاية سبعينيات القرن الماضي.
واشتهر الرومي بصناعة الحلي و«الدلة البحرينية» وبعض الأدوات المنزلية من الفضة الخالصة، إلى جانب السلاسل والأساور والخواتم ودبل الزواج، فيما حملت الكثير من أعماله نقوشًا ورسومات مستوحاة من معالم البحرين.
وخلال فترة من مسيرته، كان محله الوحيد من نوعه في السوق، ما جعله مقصدًا لعدد كبير من الزبائن، ومن بينهم أجانب وإنجليز كانوا يقبلون على شراء المصوغات الفضية، خصوصًا في ظل انخفاض أسعارها مقارنة بالذهب.
ولم تقتصر حكاية الرومي مع الفضة على ما كان يعرضه في واجهة محله، إذ ارتبطت أعماله بعدد من المناسبات والشخصيات التي مرت على البحرين؛ فكانت الهدايا والجوائز الخاصة بمسابقات الخيل التي كان يقيمها بلغريف تُصنع في محله، كما صاغ عددًا من القطع الفضية التي تحمل شعار شرطة البحرين، وكانت توضع على قبعات أفراد الشرطة.
وعلى الرغم من محاولاته نقل خبرته وتعليم المهنة لأشخاص آخرين، فإن ما تتطلبه صياغة الفضة من جهد وصبر ودقة أسهم في عزوف كثير ممن حاولوا تعلمها، فيما بقي الرومي متمسكًا بحرفته، يمارسها على مدى عقود طويلة، في زمن شهد تغيرًا كبيرًا في طبيعة الأسواق والحرف التقليدية.
وظل الرومي مرتبطًا بمحله حتى سنواته الأخيرة، ولم يكن المكان مجرد ورشة للصياغة وبيع الفضيات؛ فقد احتفظ داخله بمجموعة من القطع الفضية القديمة، إلى جانب قصاصات من صحف عربية وأجنبية، وصور جمعته بوالده في المحل القديم، وأخرى لأصدقائه ومعارفه وأحفاده وزبائنه، حتى تحولت واجهات المحل وجدرانه مع مرور السنين إلى ما يشبه معرضًا صغيرًا لذاكرة صاحبه وتاريخ صناعة الفضة في المنامة.
وعاش الرومي معظم سنوات عمره في البحرين؛ فمنذ قدومه إليها في نهاية أربعينيات القرن الماضي، سكن بداية في حي الفاضل، ثم انتقل إلى القضيبية، قبل أن يستقر في الرفاع.
وبرحيل عبدالرزاق الرومي، يفقد سوق المنامة القديم واحدًا من وجوهه التي ألفها رواده على مدى عقود، ويُسدل الستار على رحلة صائغ بدأت وهو طفل أمام نار الفضة، وظل أثرها حاضرًا لنحو ثلاثة أرباع قرن، تاركًا وراءه قطعًا صاغتها يداه، وصورًا وذكريات توثق جانبًا من تاريخ المهنة والحياة التجارية والاجتماعية في قلب المنامة.